العودة   موقع البركل > منتديات البركل > خــــالد الـحــاج
التعليمـــات المجموعات الإجتماعية التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة الأقسام مقروءة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-08-2008, 10:45 AM
الصورة الرمزية خالد الحاج
خالد الحاج خالد الحاج غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: Netherlands
المشاركات: 2,055
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى خالد الحاج إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى خالد الحاج
افتراضي صه يا كنار...توثيق لقصيدة عظيمة...



صه يا كنار.. للشاعر محمود ابوبكر
------------------------------------------
صه يا كنار وضع يمينك في يدي

ودع المزاح لذي الطلاقة والرد

صه غير مأمور وهات مدامعا

كالارجوانة وابكي غير مصفد

فاذا صغرت فكن وضيئاً نيراً

مثل اليراعة في الظلام الاسود

فاذا رأيت من الطلاقة بارقاً

فابذل حياتك غير مغلول اليد

وخذ المآرب من زمانك عنوة

والق العريف على الرعاف ولا تد

فاذا ادخرت الى الصباح بسالة

فاعلم بان اليوم انسب من غد

فألق البلية بالبلية وارمها

بمسدد ومثقف ومجرد

واسبق رفاقك للقيود فانني

ايقنت ان لا حر غير مقيد

واعمد الى دمك الذكي فجد به

فالجلنار سياج روض السؤدد

والعمر موت في شبابك ان تكن

تقضيه بين مصفق ومغرد

واملأ فؤادك بالرجاء فانها

بلقيس جاء بها غيا الهدهد

فاذا تبدد شمل قومك فاجمعن

واذا ابوا فاضرب بعزمة مفرد

فالبندقية في بداد بيوتها

طلعت بمجد ليس بالمتجدد

صه يا كنار ودع يمينيك في يدي

فكأن يوم رضاك ليلة مولدي

انا كم رعيتك والامور عصية

وبذلت فيك جميع ما ملكت يدي

وجرى فؤادي نحو قلبك سلسلاً

لكن قلبك كالاصم الجلمد



- الشاعر محمود ابوبكر

ولد الشاعر محمود أبوبكر عام 1908وتنقل في مراحله التعليمية مابين عطبرة والابيض لأن والده كان يعمل ضمن قوة دفاع السودان وبعد ثورة 1924 تم حل قوة دفاع السودان وعين والده مأموراً في قوات البوليس بامدرمان فانتقلت أسرة الشاعر محمود ابوبكر لتقطن بحي الأمراء بامدرمان وواصل شاعرنا تعليمه حتى تخرج في عام 1930 من كلية غردون وعين مترجماً بمصلحة السكة حديد بعطبرة وعند قيام الحرب العالمية الثانية أشاعت الحكومة البريطانية بأنها ستمنح السودان استقلاله إذا حارب بجانبها في الحرب فتحرك شاعرنا من عطبرة إلى الخرطوم وانضم الى المدرسة العسكرية التي فتحتها بريطانيا واختير محمود ابوبكر ليحارب في الصحراء الليبية
و قبل أن يغادر شاعرنا السودان إلى الصحراء الليبية سخر منه صديقه المحامي عقيل احمد عقيل بتركه الوظيفة والانضمام للعسكرية وحاول إثنائه عن المشاركة في الحرب فرد عليه شاعرنا بقصيدته الشهيرة والتي أصبحت شعاراً لمؤتمر الخريجين ( صه يا كنار ) بعد أن لحنها الأستاذ إسماعيل عبدالمعين





لو لم يقدر لإسماعيل عبد المعين إلا هذا العمل الفريد مشاركة مع الشاعر الفحل محمود أبو بكر، لخلده الدهر.

(إسماعيل عبد المعين الأول في الفيديو إلي اليمين بعد المرحوم أبو داؤود)
__________________
جضما معود علي الكفيت=
  #2  
قديم 02-08-2008, 10:46 AM
الصورة الرمزية خالد الحاج
خالد الحاج خالد الحاج غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: Netherlands
المشاركات: 2,055
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى خالد الحاج إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى خالد الحاج
افتراضي

اغنية ( صه ياكنار ) أداء المجموعة (mp3)


http://sudaniyat.net/up/uploading/sah.mp3
للحفظ


اغنية ( صه ياكنار mp3) الكوبليهات بالترتيب ( عثمان حسين - الكاشف - حسن عطية - احمد المصطفى )


http://sudaniyat.net/up/uploading/sahhassan.mp3
للحفظ
__________________
جضما معود علي الكفيت=
  #3  
قديم 02-08-2008, 10:48 AM
الصورة الرمزية خالد الحاج
خالد الحاج خالد الحاج غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: Netherlands
المشاركات: 2,055
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى خالد الحاج إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى خالد الحاج
افتراضي

صه يا كنار



عبد الله على إبراهيم


ربما كان نزع الصفة السلطانية عن احتفال الذكرى الذهبية لاستقلال السودان هو السبب في حيوية بعض مشاهده. فقد تشربتْ هذه المشاهد بعاطفة خالصة للوطن وخيال مجنح يفسده السلطان حين يرهن عمومية المناسبة بخصوصية متاعبه وإيدلوجيته. وأذكر احتفالاً لنا بالاستقلال بحلة الداخلة بعطبرة في أوائل الستينات اضطررنا أن نستأذن لقيامه من الحاكم العسكري للمديرية الشمالية على عهد الفريق عبود. ولم نقف الساعات الطوال أمام النقيب عواض، سكرتير الأميرالاي أحمد المهدي حامد، الحاكم العسكري بسلاح المدفعية، نلحف في الطلب بل جرّت علينا جُرأتنا هذه كيد الأمن لاحقاً. وما زلت احتفظ بصورة للجنة الاحتفال ضمت الرفيق المرحوم عبد الله محي الدين والأستاذ إمام علي بري والمعلم الركن ميرغني عبد الرحمن حميد وآخرين. وما زال كذلك احتفالاً احفظ له بامتنان حيث تعلمنا منه ونحن في غضارة الشباب جسارة العمل بين الناس في ظل النظم البغيضة لا تولية الأدبار والنضال أو مزاعمه من على بعد. وسمّى استاذنا عبد الخالق محجوب هذه المزاعم بالتطهّر من الجماهير.

من آيات خيال الاحتفال الذهبي الطليقة إعادة إنتاج لحظة رفع العلم وجلسة البرلمان التي تقرر فيها الإجماع على استقلال السودان الذي تخطت بها البلاد شد الاتحاديين مع مصر وجذب الاستقلاليين (عن مصر في الغالب) الذي طبع الحركة الوطنية وأذاها. ولم أملك، وأنا أشاهد تلك الجلسة المستعادة ولحظة رفع العلم في التلفزيون، إلا أن استحضر مشهداً مماثلا توظيف التاريخ قمنا به في منظمة ابادماك للكتّاب والفنانين التقدميين عام 1969 إعدنا فيه إنتاج واقعة شهداء القصر نهار 26 أكتوبر 1964 حيث صرعوا امام القصر الجمهوري. وكنا طلبنا من نظام مايو اليساري الجديد ألا يشلع ساحة القصر من الكراسي بعد الاحتفال الرسمي بالثورة ليجلس عليها جمهورنا. وقد أجاد الأستاذ صلاح قولة، وهو من مصر، إخراج النص الوثائقي الذي قمتُ بكتابته وعنوانه "قائمة باسماء الشهداء". وقد نشرته ضمن مجموعة مسرحية بعنوان "من تصريح لمزارع من جودة".

وقد اسعدتني أيضاً ندوة المشائخ على التلفزيون عن دورهم في تحقيق الاستقلال الوطني التي قدمها مولانا الزين أحمد خير. وقد استعاد فيها المشاركون ذكريات عن مشائخ من غمارهم ومن طلائعهم مثل الشيخ الغبشاوي ممن ناصبوا الانجليز العداء بعاطفة دينية وطنية لا فرق. وحكى الدكتور جعفر شيخ إدريس (الشيخ طوعاً) عن خطيب مسجد ببورتسودان انزعج منه الإنجليز فقالوا له ننفيك إلى بلدك ويقصدون دنقلا. فقال لهم بغير اكتراث: "وهل بورتسودان لندن؟" وقد اسعدني أن استعاد الأستاذ الصادق عبد الله عبد الماجد ذكرى الشاعر الفحل حسين منصور المعلم بالمعهد العلمي بام درمان وقصيدته "قياما قياما مع القائم" لطلاوتها، وعاطفتها الثورية الحقة، وأثرها القوي على التيجاني. وقد وُفّق الشيخ الوزير عبد الباسط عبد الماجد في تأطير نضال المشائخ في غير جهاد آحاد منهم بل في نضال مؤسسي لحفظ بقية الدين (كما يقولون والحق أنه أكثره) من مثل إنشاء المعهد العلمي في 1910 بفروعه.

وقد ظلمت الحركة الوطنية الغردونية المشائخ وجعلتهم من "أهل العِمم" ومن صنائع الإنجليز كما تجد في كتاب "كفاح جيل" للأستاذ أحمد خير أو في نقائض المرحوم محمود محمد طه والقضاة الشرعيين المعروفة. وربما صدق هذا التبخيس عن شرائح من المشيخة كما صدق على تيارات من الأفندية الغردونيين. ولن يزيح شائبة تبخيس المشيخة في سجل الغردونيين إلا بالنظر المؤسسي لها ولمساهمتها في الذود عن الثقافة الوطنية. فقد وددت لو تطرق شهود ندوة التلفزيون لخدمة المشائخ الوطنية في تنمية تقليد فقهي سمح في المحاكم الشرعية فى ظل الإنجليز. وقد توفرت على دراسة هذا التشريع أمريكية تقدمية هي الدكتورة كارولين فلوهر-لوبان. وقد تعلمنا منها نحن المحدثين عن خطره وإبداعيته. وقد أصبح كتابها عن إرث القضاة متاحاً لمن لا يحسن الإنجليزية بفضل ترجمة منشورة قام بها الدكتور محجوب التجاني. كما وددت لوتعرضوا لجهاد قضاة الشرع القوي لصيانة وحدة الشريعة بمنع الإنجليز من إغلاق المحاكم الشرعية في الريف في الثلاثينات وتحويل اختصاصها لمحاكم الإدارة الأهلية. وكانت حجة الإنجليز أن أعراف القبائل لا تواطئ الشرع أو هي تعيد تأويله بلا غضاضة. ووقفة مولانا محمد الأمين القرشي ومولانا أحمد المدني، والد مولانا مبارك المدني، ضد هذا المخطط مما شهدت به أوراق الإنجليز. وقد كتبت عن ذلك في كتابي "الشريعة والحداثة."

أما هذا العيد الذهبي فقد كان عيد "صه ياكنار" بلا منازع بفضل برنامج تلفزيوني خصيب قدمه مذيع شاب ،فات عليّ ضبط اسمه، وبدا لي من طغيان هذا النشيد على مشاهد العيد الذهبي أن الأمة ، أخيراً، تحني رأسها عرفاناً لهذا الاستثمار الفريد في وجدانها. فالنشيد يواتي كل من أراد جمع الناس على صعيد واحد. ولذا طربت لقول الأستاذ احمد أدهم بالتلفزيون إن ما يميز "صه ياكنار" أنه نشيد غير إيدلوجي أومتحيز لفريق دون آخر. وقد أجاد حين واصل القول إنه حتى "صرخت روت دمي" ، وهو نشيد مؤتمر الخريجين، إيدلوجي لأنه يقول" أمة أصلها للعرب ودينها خير دين يحب". كما أعجبني قول الدكتور أنس العاقب ما يقرب من اعتبار "صه ياكنار" محض موسيقي من الدرج الأعلى. وهذا حجة في حيادها الجميل المتجاوز للقيل والقال السياسي.

ولهذا يواتي النشيد كل مثالي طالب إجماع العواطف السكوّتي على شأن الوطن الجلل. وقد قرأت هذا المعنى فى قول الأستاذة فيحاء محمد علي في البرنامج التلفزيوني. فقد قالت إنها منشدة دينية ولكن إمامها وحبيبنا الصادق المهدي سألها أن تعتني ب "صه ياكنار" وأن تضيفه لحصيلتها من النشيد. وقد تباطأت ثم فعلت وأشجت. وذكرني هذا بمواتاة النشيد لي يوماً في 1980 رتبنا فيه لتأبين البروفسير مكي شبيكة. فقد اقترحت على اللجنة أن نفتتح الليلة ب "صه ياكنار". ولم يشذ أحد في الموافقة على اقتراحي بزعم عدم خلط الغناء والحزن. فقد اضحت ل "صه يا كنار" منزلة النشيد الوطني. وسعيت لمعهد الموسيقي والمسرح الذي كانت فرقة منه تؤدي النشيد على آلات شعبية بتورزيع علماء كوريين في الموسيقي. ولما جاء شباب وشابات المعهد لأداء النشيد رآهم الدكتور عمر بليل، مدير جامعة الخرطوم آنذاك، يحدقون بقاعة الامتحانات، صالة التأبين، فأنزعج. ثم طمأنته. وعهدي بالغناء في التأبين قديم. فقد أبّنا في أوائل الستينات المرحوم الشاعر محجوب قسم الله، الشهير ب"المنبثق" وأحد مؤسسي رابطة أصدقاء نهر العطبرة في آخر الخمسينات، وغنى لنا في الحفل الأستاذ حسن خليفة العطبراوي قصيدة من وضع المرحوم. ولم يحس أيّ منا بشذوذها عن معني الحزن. كانت رافعة غراء للحزن وربما نقص بدونها.

احتفالنا ب "صه ياكنار" تكريم تأخر طويلاً للموسيقار اسماعيل عبد المعين والشاعر الصاغ محمود أبو بكر. والنشيد ، كما حدثتنا مؤرخة الأغاني الأستاذة فاطمة مدني، ثمرة لقاء صدفة (في التوقيت لا الظرف الثقافي والسياسي) بين الموسيقار والشاعر في قاطرة حلفا في منتصف الأربعينات. فقد كان الموسيقار عائداً من مصر في عطلته من معهد الموسيقي العربية الذي كان ملتحقاً به. وقد أحسن وردي، في ندوة له بالتلفزيون، حين قال إننا غمطنا عبد المعين كثيراً. فهو، أقله، أول من خرج لدراسة الموسيقي، علم الروح والصياع، في حين كان الطلاب آنذاك يطلبون علوم النفع والمادة. ومن استمع إلى أحاديث عبد المعين عن الموسيقي السودانية عرف أنه عاشق متبتل لها وكان نفاذاً إلى مناجمها خطاراً فوق سماواتها الفذة. وكان إنساناً برئياً يقربه ولاؤه للموسيقي من السذاجة . . . الراديكالية:

القدو قدو يا يا

باكلها برايا

وكان الشاعر، من الجهة الأخرى، عائداً من جبهة الشرق الأوسط من الحرب العالمية. ووطنية من حاربوا للقضاء على النازية باسم الحرية هي التي يرد اليها المؤرخون نشأة الحركة الوطنية الجذرية في افريقيا مثل حركة الماو ماو في كينيا وأتباع الرئيس نكروما في غانا ومن استبسلوا في مواجهات المؤتمر الوطني الأفريقي الباكرة ضد نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا. ويبدو أن خلو "صه يا كنار" من الإيدلوجية راجع إلى فدائية عالية اتصف بها محمود: رب للسيف والقلم معاً. وكان ميلاد "صه يا كنار" طاقة اشتعلت في تناصر المصب والنبع والوطن الأسير في بيداء العتمور في "القطار المار."

استذكارنا "صه يا كنار" هو عودة لما أضعناه طويلاً في حرب الطغم المديدة: العرفان.
__________________
جضما معود علي الكفيت=
  #4  
قديم 02-08-2008, 10:49 AM
الصورة الرمزية خالد الحاج
خالد الحاج خالد الحاج غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: Netherlands
المشاركات: 2,055
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى خالد الحاج إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى خالد الحاج
افتراضي

ثقافة
لعل الشعراء السودانيين أول من أدخلوا الرمز على مفردات الأغنية
المامبو السوداني


حسن إبراهيم الأفندي
thepoet1943@hotmail.com



لكل أمة تراثياتها وثقافتها الخاصة بها وموروثاتها المؤثرة على حاضرها، والتي تميزها بطابع خاص على غيرها من القوميات والأمم، وذلك يجري حتى على نطاق القبائل والعشائر وإلى الأسر والعوائل، مثلما ينطبق على أمة أو شعب أو مجتمع ما.

ولعل أوجه الموروثات وأوجه الثقافة تتعدد وتتنوع وتتشعب، والثقافة أصبحت بمفهومها الشامل تحتوى على كل جوانب حياة الناس ومفاهيمهم ومعتقداتهم وتقاليدهم وطريقة فهمهم ونمط تفكيرهم إلى ذوقهم وحسهم الفني والأدبي والديني وعلاقاتهم الاجتماعية وطقوسهم في أفراحهم وأتراحهم، وقل ما شئت في هذا السياق وهذا المعنى.

ولعل للسودانيين ثقافتهم المشتركة مع غيرهم من القوميات العربية وغير العربية، ولكن لهم مع ذلك، مثلهم مثل غيرهم خصوصيتهم. ولعلي جئت اليوم لأتحدث عن هذه الخصوصية بشكل خاص في مجال الغناء والتطريب.

والغناء في حد ذاته قد لا يعني كما يتبادر للذهن، الغزل والتشبب بالمحبوبة الجميلة، حلم اليوم والغد وشريكة الحياة التي وقع عليها الاختيار، وقد يحظى بها العاشق الولهان أو لا يحظى، ولكن الغناء يشمل العديد من الأغراض: الغزل والبكاء والمناحة والرثاء والفخر والسياسة والذات والمديح، وحتى الهجاء والجوانب الإنسانية المتعددة المعاني والوجوه.

ولعلي قلت في مقالي السابق أن المطربين السودانيين غنوا لفحول العرب وضربت مثلاً بقصيدتين للعقاد. ولكني أود التأكيد هنا أن ذلك لم يأتِ من خلو الساحة السودانية من فحول الشعراء، وإنما جاء في إطار أن الإعجاب بالفن والجميل الرائع عامل مشترك إنساني لا يقف على جنسية دون أخرى. ومن هذا المنطلق، فإن قصيدة (ليلة الوداع) للعقاد وما بها من روعة، جعلت المرحوم الأستاذ محمود الفضلى ينشدها وفي حضرة العقاد عندما جاء إلى السودان خلال الحرب العالمية الثانية، وأيضاً إعجاب إسماعيل عبد المعين عليه رحمة الله، ذلك الموسيقار الكبير، قاده إلى أن يلحن (يا نديم الصبوات) للعقاد أيضاً، مثلما تغنى الأستاذ المثقف المطرب عبد الكريم الكابلى بفريدة العقاد (شذا زهر ولا زهر).

ولعلي قلت مؤكداً أن ذلك يأتي من خلال تداخل التراث الإنساني، وبالذات الرائع منه الذي لا تستطيع أن تتخطاه متى وصلك، وذلك شرط مهم للإعلام الناجح ودوره في نشر وتوصيل الثقافات. وقلت أن ذلك لا يعني خلو الساحة السودانية من الفحول، ويكفي مثالاً أن كوكب الشرق والغرب والعالم الأدنى والأقصى أم كلثوم، تغنت لزميلنا الشاعر الأستاذ/ الهادي آدم رائعته (أغداً ألقاك):

هذه الدنيا كتاب أنت فيها الفِكر

هذه تادنيا عيون أنت فيها البصر

هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر

والقصيدة معروفة مشهورة فيها ما فيها من درر المعاني.

ولعل ما دفعني للكتابة في هذا الموضوع عاملان:

تفاهة الأغنيات التي تغنى وتنال إعجاب الشباب هذه الأيام، وتدر دخلاً ضخماً لمغنيها من جهلة لا ثقافة لهم ولا تعليم ولا فهم. ولم أكن مازحاً إطلاقاً عندما قلت إنني استمعت إلى أغنية من مطرب، أو هكذا يزعم، غريب عجيب تقول كلمات إحدى أغنياته: أنا عندي شقة جاهزة وكمان بمروحة. يا أخي هناك من جعل من (السلام عليكم) أغنية. فأي ذوق هابط هذا الذي يطرب لما يقدمه مغني أي كلام يا عبد السلام على رأي الفنان سيد زيان في مسرحية (الفهلوي)، خصوصاً أنه ساق أمثلة لا تعد ولا تحصى لرديء الغناء من: الطشت قلي... يا حلوة يالي... إلى بائعي الفواكه و(البوسطجية) الذين اشتكوا من كثرة مراسلاته...

ضعف ما يسلط على الأغنية السودانية من إعلام يقدمها كما ينبغي للمواطن العربي في كل شبر من وطننا العربي الحبيب. ولعلي قد سررت كثيراً في الآونة الأخيرة بالفضائية السودانية وقناة النيل الأزرق وما بدأ يكون معروفاً للمواطن العربي. ويسرني كثيراً أن يسألني هذا أو ذاك عن مدينة كسلا الجميلة بشرق السودان مثلاً وما بها من خضرة لافتة للنظر، وعن أغاني شعبية بدأ المواطن العربي من غير السودانيين يطرب لها ويعرفها ويستفسر أحياناً عن بعض المعاني التي ربما تكون صعبة الفهم عليه إلى حد ما تفصيلياً وإن طرب للمعنى العام واستوعبه وهزه اللحن فتراقص.

فالغناء السوداني يكتب بالفصيحة مثلما يكتب أيضاً بالسودانية الدارجة البحتة التي لا يعرفها إلا السودانيون، وإن ذهب بعض علماء السودان فوضعوا كتباً عن العامية السودانية وأرجعوا أصولها إلى اللغة العربية، ربما شملها بعض التحريف أو القلب أو الإمالة، ولكنها في النهاية من العربية الأصيلة وليست أعجمية ولا عجمية.

قلت مرة أن المطرب الراحل سيد خليفة يعرفه العالم بالمامبو السوداني وإزيكم كيفنكم، ولكنهم لا يعلمون أنه غنى لفحول الشعراء السودانيين من شعر سهل ممتنع، غنى لإدريس جماع ما غنى، وقلت يوماً أن إدريس جماع لو لم يقل غير بيته:

أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا

لكفاه وغناه، فقد تغنى الراحل سيد خليفة بالأغنية التي تضمنت هذا البيت، وفيها يقول جماع، ذلك الشاعر الرقيق الذي انتهى به الحال في مستشفى للأمراض النفسية والعقلية:

أعلى الجمال تغار منا ماذا عليك إذا نظرنا

هي نظرة تنسى الوقار وتسعد الروح المعنّى

أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنا

وغنى للشاعر الكبير حسن عوض أبو العلا، غنى له أسراب الحسان، وغنى له أمل:

ولى المساء الواله المحزون في جوف الضباب

وأنا أهيئ زينتي وأعد مفتخر الثياب

آملا لقياك الحبيب فيصدني زهو الشباب

تسرى النسائم عذبة وأنا أهيم بلا ملال

وتشدني الأحلام في دنيا المباهج والخيال

وهناك أرقد في الرمال ولا أرى غير الرمال

فقد كان ممتلئاً بالأمل أن لو عادت إليه عافيته وشُفي من إعاقته التي أصابته بمصر الشقيقة عندما قفز -كما سمعت- إلى حوض سباحة في منطقة ضحلة، فأصيب في عموده الفقري، مما أدى به إلى إعاقة مستديمة حتى توفي في أوائل الستينيات مأسوفاً عليه. ولعل عميد الفن السوداني المرحوم أحمد المصطفى قد غنى لهذا الشاعر الأغنية التي تحكى مأساته:

بطرى اللي آمال وغاية مابتحمى المقدور وقاية

فيك يا مصر أسباب أذايا وفي السودان همى وعزايا

صابر ولم أعلم جزايا والتأويه أصبح غذايا

صرت مسلّم لى رزايا ذي طائر مكسور جناح

ومما يجدر ذكره أن هذه الأغنية هزت ضمير الشعب السوداني، فاضطرت الإذاعة إلى وقفها عن البث لمدة عام كامل، ريثما يتقبلها الناس بما فيها من ألم ومأساة. وبالمناسبة، فالكثيرون لا يميزون بين المعاق والمعوق ويستخدمونها استخدامات خاطئة حتى من قبل مثقفينا، فالمعاق من ولد وبه إعاقة، والمعوق من ولد صحيحاً معافى ووقعت عليه إصابة أدت إلى تعويقه مثل حادث سير أو مرض...

وما دمنا في مصر وصلة مصر بالغناء السوداني وتواجدها فيه أو حضورها أذكر أن أحد شعرائنا الكبار (أطال الله عمره) كان يدرس في صباه أو شبابه بمصر، والتقى بحسناء فاتنة الجمال، يبدو أنها مسيحية، إذ كانت تلبس الصليب يتدلى بين نهديها، وترتدي فراء. كانت من طبقة أرستقراطية. أسره جمالها، فلم يتمالك نفسه، وأرسل لها قبلة عبر الهواء قاذفاً للقبلة بيمينه، فغضبت وطلبت منه أن يمد رجليه على قدر لحافه كما يقال، وقالت له: يا أسود! انسحب سريعاً! وكانت تلك الواقعة ميلاد قصيدته الرائعة (ذات الفراء) التي يعرفها الناس بـ(يا فتاتي)، ويغنيها مطرب سوداني، وفيها يقول:

يا فتاتي ما للهوى بلد كل قلب بالحب يبترد

فلماذا أراك ثائرة وعلام السباب يطّرد

وعلام الصليب ترى بين نهديك راح يرتعد

ألأن السواد يغمرني ليس لي فيه يا فتاة يد

وأنا ما خلقت في وطن في حماه الحب مضطهد

فالوداع الوداع قاتلتي ها أنا عن حماك أبتعد

وسأطوى الجراح في كبدي غائرات مالها عدد

وبالمناسبة، فالشاعر عربي أماً عن أب عن جد، ويكفي أن أباه من أعظم الشعراء العرب (الشيخ عبد الحميد العباسي)، ويعرف بشعره الغزير في مصر وبقصيدته:

حياك مليط صوب العارض الغادي وجاد واديك ذا الجنات من وادي

وهو القائل:

لو كنت ذا مال لكنت به للصالحات وفعل الخير سباقا

وما رضيت لكم بالغيث منهمرا مني ولا النيل دفاعاً ودفاقا

وتحدثت مرة كيف وقف هرم العروبة الأكبر (جمال عبد الناصر) لمطرب سوداني تغنى برائعة الدكتور تاج السر الحسن (آسيا وأفريقيا). وما دمنا قد ذكرنا هذا الشاعر، كان لابد من وقفة مع قصيدة أخيه المرحوم الحسين الحسن (حبيبة عمري) التي تغنى بها المطرب الكابلي:

حبيبة عمري تفشى الخبر وذاع وعم القرى والحضر

وكنت أقمت عليه الحصون وخبأته من عيون البشر

فما همسته لأذن النسيم ولا وشوشته لضوء القمر

والقصيدة من عيون الشعر العربي، فما جئت أقدم دراسة لأستمر والحديث يطول، ولكني أردت أن أعطي شيئاً يسيراً من النماذج مستهدفاً إلقاء بصيص ضوء على الشعر السوداني من فحول في مجال الأغنية العربية. وبهذه النماذج فإني أفاخر كل القوميات بلا استثناء، وإن كنت أعرف قصيدة هذه ليلتي لجورج جرداق، وقصيدة ثورة الشك للأمير الشاعر العملاق عبد الله الفيصل، وبعض أغاني الشاعر الكبير نزار قباني.

ولعل القارئ يتساءل: لماذا أعطى نماذج من الشعر العربي الفصيح وأين ما عداه؟ فأقول: إن ما عداه لا يقل روعة عنه، كانت له أهدافه ومعانيه الراقية ومشاركاته السياسية والدينية والقومية مجد البطولات، وغنى حماسة بالمحاربين، وامتدح الخصال الكريمة، وتفاخر بشعب وادي النيل في سودانه ومصره، وهجا الصفات الذميمة وعاب الحرامية، وآزر المرأة ونهضتها، ودعا إلى التعليم وتشجيع المؤسسات الوطنية ومقاطعة الدخيل المستعمر الفضولي، وكان له الحس الوطني والقومي العظيم، مما جعله يدعو إلى الوحدة والتكامل مع مصر منذ وقت بعيد، وما ترك شاردة ولا واردة كما سنرى من الأمثلة.

ولعل الشعراء السودانيين أول من أدخلوا الرمز على مفردات الأغنية، بل وكانوا سباقين في التجديد عامة حتى على مستوى الشعر العربي الفصيح، فلسنا ننسى حمزة الملك طمبل وتجديده في الشعر وإشادة العقاد ذلك الذائع الصيت، الموسوعة العلمية الزاخرة في كل ضرب من ضروب المعرفة، بتجديد شاعرنا حمزة.

وبالمناسبة، فمن المعروف تاريخياً أن أباه كان ملك مملكة أرقو، المدينة التي ولدت بها وعشت طفولتي وصباي المبكر، وهو من أوى إليه بقية المماليك الذين جاءوا فارين ناجين من مذبحة القلعة الشهيرة التي كان بطلها محمد علي باشا آنذاك. وذلك يقودني إلى القول بأن التاريخ مليء بالمآسي والمجازر والقتل والذبح الجماعي الذي ربما تفرضه ظروف الحكم وبقاء الحاكم ومنذ القدم.

ولكن لسوء حظ صدام حسين أنه الوحيد الذي يحاكم عبر التاريخ على مثل هذه الجرائم، صحت أو لم تصح. ولكن المؤسف ألا يحاكمه شعبه وألا يخلعه شعبه ويظل يهتف باسمه حتى استعان البعض بالأجنبي الذي غزا البلاد والعباد وأقام حكماً فاشياً مستبداً جعل الكثيرين على شاشات الفضائيات يتباكون على صدام وعهده، مؤمناً بأن حاكماً وإن كان ظالما يوفر الأمن والأمان لشعبه وأمته ووحدة التراب، خير من وضع يفتقد فيه كل المواطنين الأمن والطمأنينة، فنعمة الأمن شيء لا تقدر بثمن. ما علينا فالمقادير تجرى شئنا أم أبينا.

وإنما جئت لأقول أن السودانيين أطلقوا اسم (عزة) على السودان إبان حكم الاستعمار البريطاني، ولا أقول الحكم الثنائي، فتلك تسمية من باب المجاز والخيال لا الحقيقة، وكأنما كان الشعراء يتغزلون في محبوبة لهم ولا يتدخلون في السياسة، فظروف المرحلة كانت تقتضي التلميح لا التصريح. ومن هنا كان الرمز مطلوباً ومرغوباً،(عزة في هواك نحن النبال) للمرحوم الخالد خليل فرح، والذي تغنى أيضاً بالعلاقة بين شعبي وادي النيل في قصيدته:

نحن ونحن الشرف الباذخ دابي الكر شباب النيل (يعنى الأسود)

دا ود عمى ودا ضريب دمى وإنت إيه ما فضولي دخيل

ومرض الرجل وذهب إلى مصر مستشفياً، ولكنه أدرك أنه مريض بداء عضال في ذلك الوقت والزمان، وأن أيامه باتت معدودة، فكتب خريدته:

ما هو عارف قدمه المفارق يا محط آمالي السلام (يعنى السودان)

وفيها عدّد وما ترك حياً من أحياء أم درمان وترامها الذي يربط أحياءها ويصل إلى الخرطوم وتذكر مجالسه فبكى وأبكى يرحمه الله، وما زلنا نوالى الرمز.

قام عدد كريم من الضباط السودانيين عام 1924 بثورتهم وتمردهم المشهور تاريخياً على الاستعمار، وكان على رأسهم على عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ. وجُن جنون المستعمر، وسعى إلى قمع مبكر للثورة. ولكن الضباط من الجيش المصري المقيمين بالسودان آزروا أشقاءهم السودانيين، مما حدا بالمستعمر أن يصدر أمراً برحيل الجيش المصري وإعادته إلى مصر لخطورته وعدم مساندته للاستعمار وتعاطفه الأزلي مع شعب جنوب الوادي، وحزن الشعراء السودانيون، فظهرت أغنيات مثل:

يا حليل الطير الرحل كان قريب أصبح في زحل

وتعني كلمة الطير الجيش المصري، فقد كان أملاً معقوداً أراد المستعمر إبعاده، وخاطب أحد الشعراء السودان بقوله:

عزة قومي كفاك نومك وكفاية دلال قومك

إنت يا الكبرتوك البنات فاتوك

في القطار السار

فقد جعل من السودان عروساً جميلة في ليلة زفافها (كبرتوها) أي مسحوها بالروائح السودانية الصارخة والشهيرة والدلكة والبخور السوداني المميز من عود ودهن الصندل وكثير من العطور التي شُربت فيه، حتى أصبحت وكأنها كبريت يشتعل في أية لحظة من حسنها وجمالها وخضابها وروائحها الفواحة، وأخذ يذكرها برصيفاتها والصحوة التي تنتظم الدول من حولها، وهكذا تتعدد الأغنيات والمواقف ولا يمكن الحصر، ولكن يجوز فقط التمثيل بشيء قليل إلى أبعد حد يمكن أن تتصوره، ولكن الدبلوماسي المرحوم يوسف مصطفى التني قالها صراحة:

في الفؤاد ترعاه العناية بين ضلوعي الوطن العزيز

ودعا إلى مقاطعة المستعمر وحتى مدارسه وتشجيع التعليم الأهلي الذي نشط آنذاك، وتم فتح المدارس الأهلية لتعليم الأبناء:

ما بخش مدرسة المبشر وما بخاف الموت المكشر

وعندي معهد وطني العزيز

وفيها يدعو إلى نبذ الفرقة والتعصب:

ما بندور عصبية القبيلة تربى فينا ضغائن وبيلة

تزيد مصايب الوطن العزيز

أما إن تحدثت عن أبي الروحي وأخي الأكبر وصديق العمر ورفيق الدرب لأعوام ممتدة الأستاذ المرحوم عبد القادر إبراهيم تلودى، فإن الحديث عنه يطول، بيد أني أحبذ أن أعطي فكرة موجزة عن إبداعاته، فمعانيه سبقت عصره بكثير:

حبيبتي غاب في موضع الجمال بلاقيه

في شاطى النهر بلاقيه

في ضوء القمر بلاقيه

في ليلة القدر بلاقيه

حبيبي الحبيب بلاقيه

قط ما بغيب بلاقيه

مع العندليب بلاقيه

ويلفت النظر إلى أن صوت القطار الذي كان يجوب أرجاء السودان ويعمل بالبخار بف بف بف... منطلقاً في هيبة ووقار وقوة، وكانت للسكك الحديدية بالسودان هيبتها وعظمتها قبل أن تتدخل السياسة في عهد الرئيس المخلوع جعفر النميري لتسعى عن عمد وسبق ترصد إلى قتل هذا المرفق الحيوي لما يقوم به مئات الآلاف من عماله بإزعاج للسلطات فمن إضراب إلى مظاهرات إلى مطالبات تقض نوم الحكومة وتؤدي في النهاية إلى إسقاطها نتيجة حتمية ومنطقية للمقاومة التي تتقودها تلك النقابة الفتية، أدخل تلودى بحس الشاعر القدير هذا اللفظ أو المصطلح الصوتي في أغنيته:

من بف نفسك يالقطار ورزيم صدرك قلبى طار

وينو الحبيب إنت شلته جيبه يا القطار

ياحليل قلبه الرحيم ياحليل شخصه العظيم

يا حليل محيه الوسيم السافر سكن الدويم

ورحم الله تلودى، فقد كان قلباً رحيماً وشخصاً عظيماً ومحياً وسيماً.

ولعلنا إن تابعنا مسيرة الأغنية السودانية لا نكتفي بقليل ولا نصل إلى نهاية، ولكن لابد مما ليس منه بد، فالمحجوب، ذلك العلم المعروف، رئيس وزراء السودان ووزير خارجيته من قبل لفترات طويلة، ساهم بفيردلونا (القمر الأخضر بالإيطالية على ما أعتقد) وصلاح أحمد إبراهيم بعديد من الأغاني أشهرها مريّة، إذا تغاضينا عن الطير المهاجر:

يامرية

ليت لي إزميل فدياس وروحا عبقرية

وأمامي تل مرمر

لنحت الفتنة الهوجاء في نفس مقاييسك تمثالا مكبر

وضربت الشعر سوطين

فبعض لزم الكتف وبعض يتبعثر

يا مرية

قل لي بربك أي صور هذه، إلا أن تخطها ريشة فنان قدير موهوب!.

ولن أتناول شيئاً من التراث الغني الثر بالبطولات والشجاعة والكرم والتفاخر والغزل المدهش، فعامل الوقت غير مساعد، وأعجب أن ترى أخت أخاها في يد المستعمر الغاصب المستبد يؤخذ به مقيدا للمقصلة وهي تتغنى:

الجنزير (القيد) في النجوم ذي الهيكل المنظوم ما بخاف في المحاربة دموم

غنيله يا أم رشوم (ذهب) دابى الروم شرابه سموم ما بخاف في المحاربة دموم

وأخرى يُسرق منها أب قرشين (20 مليما فقط) فتنشئ أجمل الشعر تهجو السارق وتؤكد أن المبلغ تافه ولا يستحق، ولكنها ترى فيما قام به اللص شيئاً من الحقارة وشيئاً من تحقيرها، وثالثة يسرق منديلها فتسخط على الحرامي وتتمنى ألا يتهنى به، وأن من لا يعزيها في منديلها فلن تعزيه في موت أمه.

وهناك نوع من الأغنيات تعرف بحقيبة الفن، ذهب البعض إلى أن تسميتها هكذا جاء لأن مقدم برنامج حقيبة الفن المرحوم المبارك إبراهيم من مايكرفون إذاعة أم درمان، كان يأتي حاملاً معه حقيبة ملأى بأسطوانات مسجلة بأغاني الحقيبة، طبعاً جرى تسجيلها في ذلك الزمان في مصر الشقيقة واستديوهاتها الشهيرة، وآخرون يزعمون أن التسمية إنما جاءت لأغاني فترة زمنية تقادم عليها الزمن، فكأنما تلك الأغاني أُودعت حقيبة للحفظ.

ولكني لا أتفق مع هذا الرأي، فكل مطرب جديد يتسلق على أكتاف أغنية من تلك الأغاني حتى اليوم وإلى أن تقوم الساعة، فألفاظها حلوة جميلة ومعانيها فريدة رائعة، لا تكاد تملها ولا تسأم منها مهما تكرر سماعها، وبها من المحسنات البديعية ما بها، تورية وجناس وطباق وتشبيه وصور محيرة:

شوف سايق الفيات الليلة كيفن هاش والشجر الكبار بقى شوفنا ليه طشاش

يا سايق الفيات قل لي وينك ماش فارقت الطريق إتيامن الرماش

فصديقنا المرحوم إبراهيم العبادي كان موسوعة ضخمة في عالم شعر الحقيبة:

المكارم خلقى الجميله والمحامد عارف سبيله

من أكابر أكبر قبيله من أعالى العايلة النبيله

وصدف أني كنت معجباً إلى درجة كبيرة بأغنيته (يا عازة الفراق بي طال) وما زلت، ورغم شيبي فإني أفقد وقاري كلما تغنى بها مغنى في حفل عرس جئت أحضره وتمس فيّ وتراً رهيفاً، فأتمايل طرباً وانتشاءً. سمعتها أول مرة بصوت الفنان الراحل إبراهيم عبد الجليل، وأذكر أنه أجري معه لقاء قبيل وفاته على شاشة تليفزيون السودان، وكان قد أصبح في حال تدعو للعطف والشفقة، وطلب منه أن يؤديها، حاول ولكن صحته لم تساعده وصوته أصابه التلف إلى حد كبير، فعمد المخرج بذكاء إلى تشغيل الأسطوانة، سمعها الرجل وسال دمعه متأثراً، فلعلها أعادت إليه الكثير من الذكريات، وصرت مداوماً على سماع الأغنية أيام الدراسة الجامعية، ولكني ما كنت أستوعب بعض معانيها، فمثلاً:

إيه وناسة وناسه طريت أم در حليل ناسا

وكيف أسلاها واتناسى ومقتول بى ظبى كناسا

وأم در تدليل لمدينة أم درمان التي كان يسكنها العبادي يرحمه الله، وشاء الله أن يقوم على أكتافي وأكتاف زميلي الشاعرين محمد سعد دياب ومجتبى عبد الله نادى الشعر بمعهد المعلمين العالي بأم درمان (كلية تربية جامعة الخرطوم حالياً)، وكنا نقيم ليلة شهرية نقدم فيها نتاجاتنا الجديدة للمستمع، وندعو لفيفا من الشعراء في كل ليلة، الأمر الذي أتاح لي فرصة التعرف على أعداد كبيرة من الشعراء بالفصيحة أو العامية، وكان يشارك معنا الأخوة العرب من الشعراء والشاعرات من مصر أو سوريا بالذات، ويحضر ليلاتنا آلاف من الشباب والشياب على السواء والطلبة والطالبات.

وقد عرفت المحجوب من خلال هذا النادى، فقد كنا نزمع إقامة ليلة خاصة عن ديوانه (قلب وتجارب)، ولظروف لم تنفذ الفكرة، بينما قدمنا ليلة عن الشاعر المرحوم محمود أبو بكر، كان ضابطاً بالجيش السوداني حارب خلال الحرب العالمية الثانية بكفرة بليبيا حسب ما تضمنته قصيدته (زاهي في خدره)، وله ديوان (أكواب بابل من ألسنة البلابل) أُهديت لي نسخة منه. وفي إطار الإعداد لهذه الليلة ذهبت لمقابلة أخيه الأستاذ أحمد أبو بكر، وهو فنان ذو ذوق رفيع، وكان مديراً لمصلحة السياحة بالسودان، وهو المعني بأبيات أخيه في قصيدته (صه يا كنار) التي يخاطب بها صديقه المحامي المرموق المرحوم عقيل أحمد عقيل:

لك في فؤادي يا كنار مكانة أسمى وأرفع من مكانة (أحمد)

ولدي أحمد كالحياة وكالمنى من كل ممتنع وكل مؤيد

قاسمته ظُلُم الحياة وظلمها ونشأت بين حنانه المتجدد

والقصيدة سياسية تغنى منذ أيام الاستعمار، ولعل القارئ يصيبه شيء من الجزع عندما يقرأ أسمى وأرفع من مكانة أحمد، ولكن الرجل يعني بأحمد أخاه.

ولا أنسى يوماً وقفت فيه أقدم فقرات الحفل، وقد كنت تعودت أن تكون منصتي والتي يلقى عليها أو منها الشعراء المشاركون قصائدهم، تحت شجرة نيم (شريش) مورقة ضخمة تقف شامخة وسط زميلاتها، والمستمعون أمامي وعلى يميني وعلى يساري. وجدت في ذلك اليوم أن الشجرة بلا فروع ولا صفق ولا خضرة. وقفت جرداء كئيبة بعد أن أصابها مقص البستاني، والذي تعوّد أن يفعل ذلك سنوياً، لأسباب يعرفها المختصون في مجال الزراعة. نظرت إليها حزيناً مكتئباً وخاطبتها بمفردات ومعان خلابة آسرة مرتجلاً، وتمنيت أن لو كنت مثلها ذا شباب يروح ليعود أكثر نضارة وجمالاً.

دوت الساحة بالتصفيق الشديد. وأشهد أني لو حاولت الآن أن أكتب ما قلته من مفردات ومعان لفشلت ولما استطعت. تلك كانت لحظة تجلٍ ومضت في ساعتها. وكانت إذاعة أمدرمان تسجل لنا ويصلنا التليفزيون لينقل شيئاً مما نقول للمشاهدين لاحقاً.

في تلكم الأيام تعرفت ضمن ما تعرفت على أمير الكتيبة المرحوم النور إبراهيم الذي رشانى بمنصب نائب أمير الكتيبة حتى لا أقول هجائي فيه. وبينما أحسنت تقديمه وصل إلى المنصة وبدأ بهجائي بأبيات ارتجلها أو كتبها في حينها. وتعرفت على عبدالله العشوق، والكثيرين، ومن بينهم شاعر يا عازة الفراق بي طال المرحوم إبراهيم العبادي، وسألته عن أغنيته، فحكى لي أنه كان في مشروعه الزراعي بكوستى، واشتد به الحنين لأمدرمان، وطلب منه أصدقاؤه البقاء، ووعدوه بحسناء تسرى عنه اسمها وناسة، مما حدا به أن يقول: إيه وناسه وناسه، أي ماذا تكون وناسة التي ستؤنسني وأنا مقتول بعشق أمدرمان. ويختم العبادي قصيدته بقوله في طباق فريد:

ولّع قلبي جمره الحي وما بتطفيه آه وأحّي

ويا زينة ربوع الحي لدياركم يعود الحي

والكثير من الشعراء تغنوا بأم درمان وتناولها المطربون في أداء رائع متميز، فلأمدرمان نكهتها الخاصة، ومن يألفها لا يستطيع ولا يصبر على فراقها. هناك جاذبية تهيمن عليك ولا سلطان لك على رد تلك الجاذبية، وأنا من الذين يجدون فيها راحتهم النفسية، ولي فيها قصيدتي أمدرمان حينما بعدت عنها مكرها:

أنسيت أيام الحنين ونسيت صيتي والرنين

ونسيت أيام الهوى ونسيت عهد الذاكرين

ومعذرة، فالقصيدة طويلة ولا أحفظها نشرت بإحدى الصحف السودانية وقلتها عام 1984 في نفس الليلة التي لاقت والدتي فيها الله، وما كنت أعلم بموتها، وإنما عشت حزناً وحنيناً داخلياً لا أعرف مصدره، فكان ميلاد تلك القصيدة في تلك الليلة الحزينة، بُعد سادس لا أكثر ولا أقل، ولعلك إن سألتني عن البعد السادس ما استطعت أن أفيدك بشيء، نحياه ونجهله في ذات الوقت. ولله فيما يشاء أمور كثيرة يحجبها ولا يستطيع العقل البشري أن يصل إليها.

وقد رأى أحد العلماء الأجلاء المفكرين في تفسيره (الروح من أمر ربي)، أن الروح خلقت في عالم الأمر أو الذر، وأن الآية الكريمة لا تعني أن الروح أمر يصعب الوصول إلى ماهيته. واختلفت معه في هذه الرؤية رغم احترامي وحبي وتقديري له ولاجتهاده الذي لا ينكره أحد.

ومن رحمة الله بنا أن العالم المتأمل المؤمن الجاد من أمثاله، إذا اجتهد وأصاب، فله أجران، وإن اجتهد وأخفق فله أجر، فأي سعة أرحب وأفضل من هذه السعة. فديننا الحنيف يحثنا على التدبر والتفكر والاجتهاد، وإن كنت أعلم تماماً أن هناك أموراً اختص الله عز وجل بها وبعلمها ذاته العلية، ولا يعلمها أحد من البشر، منها آجال البشر، ومنها قيام الساعة، ومنها ماهية الروح، وإن خلقت تماماً في عالم الأمر والذر، فلقد أجهد العلماء أنفسهم وصوروا بالأشعة الحمراء والبنفسجية وفوق الحمراء وفوق البنفسجية لحظة خروج الروح من الجسم الآدمي، وحاولوا معرفة مكونات الروح، وعلموا بأن من مكوناتها الكهرومغناطيس، كهرباء ومغناطيس، ولكن هناك مكوناً آخر لم يستطع العلم ومنذ بداية السعي في هذا المجال وبداية الدراسة الجادة لعالم الروح منذ حوالي عام 1820 أن يصلوا إليه، وأكاد أجزم أنهم لن يستطيعوا الوصول إليه، فالآية واضحة ولا تأويل لها غير ما نفهم وكنا نفهم.

وبرجوعي إلى موضوعي، أعتقد أن الغناء السوداني زاخر بدرر مكنونة، ليس فيها من همباتيكا ولا شقق مفروشة بمراوح، والحديث عن الغناء السوداني يطول، ولكني أروى نكتة قبل الختام سمعتها ولا أدري مدى صحتها أو مدى الزعم الباطل بها، قيل أن أحد المطربين في هذا الزمان الأخير من المعاصرين غنى:

أنا أحب فلان الفلاني وأكره شارون

ومع أني لا أدري لماذا يحب فلان الفلاني، إلا أنني أعرف طبعاً أنه لماذا يكره شارون، وكنت أحسب أنه يعرف مثلي لماذا يكره شارون، ولكن الرواية تقول أنه بعد أن غنى الأغنية مرة سأل: وشارون دا بشتغل إيه؟.

صرت بعدك يا حبيبي ذرة في بحر الزمن

بعت للآلام مواهبي بعتها بارخص تمن

وحشة ما بتعرف مشاعر وغربة عن أرض الوطن

ولا فض فوه شاعرنا الكبير سيف الدسوقى...

أسفي أني سئمت من الكتابة والطباعة، فما عندي من مكتب تنسيق يعاون ولا مدير مكتب، وكيف يتسنى ذلك لمن هو نفسه بحاجة إلى راتب أو كما يقولون معاش شهري مثله مثل غيره من كبار صغار الموظفين. فعذري لمن لم أستطع أن أوفيهم حقهم من الشعراء والأدباء ممن أثروا الحقل الفن السوداني بالجميل والحماسة والعاطفة ومجدوا السودان وحملوه وساماً على صدورهم.
__________________
جضما معود علي الكفيت=
  #5  
قديم 02-08-2008, 10:53 AM
الصورة الرمزية خالد الحاج
خالد الحاج خالد الحاج غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: Netherlands
المشاركات: 2,055
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى خالد الحاج إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى خالد الحاج
افتراضي

أصداء ... وذكريات
د. عثمان هاشم عبد السلام

أدرت جهاز التلفزيون. وكانت المرة الاولى التي اشاهد فيها التلفزيون منذ بداية زيارتي الحالية للبلاد. ما كان لدى سابق علم بالبرامج المدرجة، ولكن صدفة ومع ضغطي على زر التشغيل كانت بداية برنامج جميل ومؤثر للغاية. وموضوعه نشيد صه يا كنار العريق الشهير، وعن الشاعر المرهف الذي صاغ كلماته البليغة عميقة المعنى وعن ملحنه الموسيقار المبتكر والذي سبق زمانه. تخلل العرض لقاءات مع عدد من الشخصيات، ومن بينها وابرزها اللقاء مع السيدة الجليلة التي حكت عن تاريخ النشيد بل عن الحقبة التاريخية المفعمة بالاحداث الكبيرة والحبلى بالاحداث التي هي اكبر. وحكت عن مولد النشيد والذي كان ثمرة اللقاء بين الشاعر محمود عمر والموسيقار اسماعيل عبد المعين على متن قطار الشمال العائد من وادي حلفا صوب الخرطوم.
صه يا كنار؛ العباسية الاولية؛ الفنان شرحبيل أحمد
ضمن الذين التقى معهم البرنامج كان اللقاء مع الاستاذ الفنان عثمان ادهم، والذي حكى عن قصة مسيرة النشيد بعد مولده، مؤيداً لما عبرت عنه السيدة الجليلة من ان نشيد صه يا كنار يخاطب العاطفة الجمالية في نفس الانسان ويستنفر في الحس الوجداني قوة للتعبير عن الشعور الوطني وعن التفاني في الذود عن الوطن، بدلاً من استنفار القوى الجسمانية والمقدرة القتالية الدفاعية كما في الاناشيد الوطنية الاخرى التي سادت آنذاك ابان نفرة الحركة الوطنية. وهي الاناشيد التي كان لها وقعها ولها تأثيرها وصمودها. أما نشيد صه يا كنار كما اتفق جميع المشاركين في البرنامج فقد كان له الخلود؛ ولأنه استقر في الاعماق الغائرة للوجدان السوداني وكمثل الحال مع عزة في هواك..
سرحت مع أخي العزيز وزميلي من أم درمان الاهلية الفنان عثمان ادهم. وقد كنت معه في اولى وسطى عام 46. ذكر الفنان بعض الزملاء - أصدقاء الاعزاء المرحوم د. عبد الرحمن عبد السلام ود. عبد الله محمد خوجلي وآخرين. وطبعاً ان جاء على ذاكرته لحظة اللقاء زملاؤه من المدرسة «ج» ولو انه ذكر صديقي الشلالي وقطعاً قصد د. محمد الحسن عبد الرحمن الشلالي وهذا كان من مجموعتي في المدرسة «أ». المدرسة الاهلية كانت آنذاك مكونة من ثلاثة أنهر متوازية ومتساوية. كما ان من مجموعته في المدرسة «ج» الاستاذ الاعلامي الكبير عبد الله عبيد؛ رغم انه التحق بمدرستنا في مرحلة متأخرة من المشوار إلا اننا تبنيناه: عبد الله عبيد - أم درمان الاهلية. وقد كان زملاء لنا من الشخصيات البارزة في مسيرة السودان من مجموعة النهر الثاني - المدرسة «ب». وهناك من دفعات اخرى شخصيات مرموقة يشار إليها بالبنان منهم نطاس طب القلب البروفيسور صديق احمد اسماعيل والقيادي السياسي الدبلوماسي المتميز مهدي مصطفى الهادي وآخرون امثالهما من الاعلام المتفردة.
ما كان ذلك من باب العصبية، ولكني اتفق تماماً مع الاخ الفنان عثمان ادهم كحقيقة تاريخية واقعة ان المدرسة الاهلية - أم درمان الاهلية الوسطى كانت مدرسة متميزة لا يضاهيها شيء. كانت لا تقل مستوى عن أي من المدارس الاخرى من الناحية الاكاديمية، ولكنها تميزت بانها اضافة الي ذلك كانت مشبعة بالروح القومية وبحس الحركة الوطنية: راعيها الزعيم اسماعيل الازهري واساتذتها من النشطين في مؤتمر الخريجين طليعة العمل السياسي في البلاد. كنا تقريباً نقضي معظم حياتنا اليومية بالمدرسة. فبعد الدراسة الصباحية وفترة قصيرة مع اهلينا للغداء ولبعض الراحة كنا نعود وفي حماس متدفق الي المدرسة لمزاولة انواع من المناشط من العاب ومباريات وجمعيات ادبية ومسرحية؛ وهناك دورات الجمباز مع استاذ الرياضة البدنية الاسطوري استاذ بدر الدين. وفي السنتين الاخيرتين من المرحلة كنا بعد مزاولة تلك المناشط كنا نواصل لفترة مسائية على طول حصتين دراسيتين في مذاكرة دروسنا الاكاديمية وذلك تأهباً للجلوس لامتحان الشهادة والدخول الي المرحلة الثانوية وبذلك كنا نعود الى دورنا بعد الثامنة والنصف مساء؛ «الحياة هي الاهلية الوسطى». انها حقاً كما ذكر الاخ الفنان عثمان ادهم كانت مدرسة كاملة متكاملة، مصنعاً للقيادات وللمواطن المتكامل.
واذ ذكر الفنان عثمان ادهم ان بدايته مع نشيد صه يا كنار كانت في عام 46 أولى وسطى فان بدايتي مع النشيد كانت في عام 45 رابعة اولية بمدرسة العباسية الاولية - أم درمان. والحقيقة ان لقائي وواقعتي مع صه يا كنار في عام 45 تذهب بي دوماً الى عام 44 ثالثة اولية. في ذلك العام كنا قد ارتحلنا الى مدرستنا الجديدة في قلب فريق العباسية بأم درمان. وكانت دفعتنا قد امضت السنتين السابقتين 42 و43 سنة اولى وسنة ثانية كنا امضيناهما متنقلين في انتظار اكتمال مدرستنا الجديدة العام الاول في مدرسة ام درمان الاولية (النموذجية) وهو المبنى الذي حلت فيه من بعد ولفترة طويلة كلية المعلمات، وامضينا السنة الثانية ما بين مدرسة الموردة الاولية ومدرسة حي البوستة (سوق القش) أم درمان. كنا في سنة 44 في غاية الابتهاج وقمة الروح المعنوية ونحن نحتل مدرسة جديدة (من الورقة) ومبنية بطوب احمر ذي لون ساطع. شعرنا بالافتخار لنرى للمرة الاولى اسم مدرستنا مكتوباً على واجهة المبنى: مدرسة العباسية الاولية، وكان افتتاح المدرسة وكأنما انك افتتحت كلية جامعية في قلب حي العباسية العامر. واصبحت على التو مركزاً اجتماعياً ثقافياً للحي والاحياء المجاورة.
كانت العباسية الاولية متميزة اكاديمياً تميزاً مشهوداً. ولكنها ايضاً كما الاهلية الوسطى كانت مؤسسة متكاملة اجتمعت لها وفرة من المناشط المكتملة. كنا نزرع احواضاً من الخضر كجزء الزامي من البرنامج العام، وكان لدينا متحف احتل واحدة من الغرف الكبرى. كنا نقوم بتصبير الطيور والحيوانات الصغيرة، ونضع في متحفنا انجازاتنا من الاشكال الفنية التي بنيناها من الطين المغَرَ (الصلصال) المتوفر بالخور الطبيعي داخل فناء المدرسة. كما تميزت المدرسة بالاعمال الفنية والرسومات. وقد صدف ان غالبية استاذتنا خصوصاً النجوم الكبرى امثال استاذ مرتضى - مايسترو المدرسة واستاذ التيجاني واستاذ مهدي كانوا ايضاً ذوي ملكات فنية عالية. وقاموا برسم لوحات جميلة بالالوان مباشرة على حيطان كل الفصول والغرف، ذلك كان له الاثر على بعض منا نحن التلامذة. وكنت وأخي المرحوم محمد الحسن من ضمن اولئك، ان شغفنا بالفن وبالرسم وكانت بداية ممارستنا. وكان ضمن زملائي بالفصل السنة الثالثة (عام 44) بل وصديقي العزيز والجار بالجنب في الفصل الفنان المبدع شرحبيل أحمد. كان ذا موهبة كبيرة في الفن والرسم والتلوين. كانت لنا صداقة جميلة والتقاء على حب الرسم والتلوين. وكنت وإياه نلتقي احياناً بمنزله بميدان الربيع واحياناً بمنزلنا بحي الامراء - العباسية شمال، نرسم، نلون وبامكاناتنا المشتركة من ألوان شمع وخشب وجير. أما الأخ شرحبيل فقد تميز ايضاً بالصوت الغنائي الجميل والقوى، والذي نما وتطور معه في مقتبل العمر والى مستويات الابداع على النطاقين القومي والعالمي. أما في ذلك الوقت وفي تلك السنة 44 فكان شرحبيل صوت المدرسة الصادح ينشد اناشيدها. كنت انا واخوة آخرون نصحبه في شكل كورس. واذكر ان نشيدين على وجه الخصوص كانا في قمة ما شنف به شرحبيل آذان المدرسة وآذان المجتمع من حول المدرسة وهما نشيد قمارينا ونشيد نحو سودان جديد - «زي يصوت من مغانيك الحسان».
ذكرت كل هذا لأنه قبل نهاية عام 44 حدث ما أحزنني أنا شخصياً كثيراً. إذ حدث ان تغير موقع عمل والد شرحبيل وبالتالي موقع اقامة الاسرة والتي تحولت الى سكن في اطراف أم درمان الشمالية بينما العباسية الاولية وميدان الربيع في نواحي ام درمان الجنوبية. وبتحول الاسرة ذهب عنا شرحبيل ليلتحق بمدرسة علي قرب من السكن الجديد. افتقدت صديقاً عزيزاً وافتقدت زميل العمل الفني والرسم. ولكن كل تلك التطورات كانت لتعيدني الى لقائي مع نشيد صه يا كنار.
شرعت مدرسة العباسية ومنذ بدايتها في موقعها الجديد الخاص بها الى اقامة «يوم اباء» سنوي. انجزنا اليوم الاول عام 44 بنجاح. وفي عام 45 ونحن بالسنة الرابعة النهائية خططنا لاقامة يوم اباء بحجم كبير يليق بالاباء والأسر والمجتمع الذي احتضن المدرسة وعلق عليها آمالاً. وفي نفس السنة تمكنا من اقامة مسرحنا الخاص الدائم، إذ من قبل كنا نقيم المسرح برص تختنا التي نكتب عليها جنباً الى جنب. أما في عام 45 فبتوجيه من استاذ مرتضى ومتابعة من استاذ مهدي جمعنا قدراً كبيراً من الطوب الاحمر على اساس طوبة كل يوم يلتقطها التلميذ مما يجد ملقىً على الارض وبتجنب اخذ الطوب الجديد من مواقع البناء (التزمنا بالطبع فيما عدا بعض شقاوات متفرقة حيث اعتدى البعض على طوبة من مواقع (البناء). المهم اننا بنينا مسرحاً دائماً؛ وفي انتظار يوم الاباء. وكان اليوم يتكون من شقين رئيسيين، هذا اضافة لزيارات الفترة الدراسية الصباحية من استطاع الى ذلك سبيلاً. أما الجانب الترفيهي فشقه الاول في فترة العصر ويتكون من ألعاب رياضية استعراضية ومباريات بين المنازل الاربعة للمدرسة. ومع بداية المساء تبدأ الفترة المسرحية والتي تشمل رواية مسرحية كاملة الفصول. يتخلل العرض المسرحي فيما بين فصول المسرحية القاء النشيد المختار للمناسبة.
كان يوم الآباء حقاً يوماً حافلاً شاملاً - مرضياً للآباء والضيوف ومشرفاً للاساتذة ولادارة المدرسة. مرت المرحلة الاولى. فترة الالعاب والمباريات على خير ما يمكن وفي غمرة من حماس دافق. ثم جاءت المرحلة الثانية على المسرح: الرواية التمثيلية والاناشيد. كنت قبل حلول ذلك اليوم اتساءل كيف لنا ان نكمل كل الفقرات وخصوصاً فقرة الاناشيد وليس معنا شرحبيل؛ كيف لنا وهل بامكاننا ان نملأ ذلك الفراغ الهائل؟! ثم حدث ما هو ادهى من ذلك.. مع دنو موعد اليوم الكبير أُخطرت بأنه قد وقع الاختيار عليَّ لاداء نشيد يوم الآباء، يا لهول المسؤولية!! ولكني لم اجزع، بل اني آنست في نفسي قدراً من الثقة وشيئاً من الترحاب بالتحدي وبالمخاطرة المنتظرة. وثقتي مردها حينذاك تأكيدي لنفسي وتذكيرها اني قادر وكنت في مجموعة كورس شرحبيل العام السابق، كما ان اسرتي كانت تطلب مني في الامسيات ان اسمعهم اناشيد المدرسة، وكانت والدتي رحمها الله تجد متعة بينة لسماع انشودة قمارينا. وأما عن الترحاب بالتحدي والمخاطرة فتلك شيمة الحدث اليافع.
ولكن النشيد الذي أُختير لذلك اليوم الحافل لم يكن انشودة قمارينا ولم يكن نشيد نحو سودان جديد: أي صوت. ولكن بل ولكن كان النشيد المختار هو النشيد الجديد الذي اخذ بتلابيب الافئدة وهفا بالحس الوطني الى قمم أرقى من التفاعل القومي والى ذروة الصمود والشعور بالاعتزاز - نشيد صه يا كنار. ورحبت بذلك التحدي الاضافي ايضاً، إذ اني احببت النشيد كما أحبه الكل..
جاء الميقات ولحظة الوفاء. في فاصل بين مشهدين من مسرحية شيقة الاحداث أُعد وضع المسرح لاداء النشيد. صعدت الى المسرح ووقفت في الوسط تماماً. جلس الى جانبي على كرسي خيزران (الكرسي التقليدي) الاستاذ الموسيقار عربي الصلحي وعلى حجره آلة العود. من مظاهر تلاحم المدرسة مع مجتمع العباسية مشاركة ودعم عدد من الشخصيات التربوية والرياضية والفنية البارزة كل في مجال تخصصه. في مجال الموسيقى الاستاذ عربي الصلحي وفي الفن التشكيلي الاستاذ حسن الهادي وآخرون.. وقفت بجانب الاستاذ عربي وما كان طولي يفوق طوله وهو جالس. بدأ العزف وصمت الحشد صمتاً مطبقاً. ثم بدأت في الانشاد. بالطبع ما كان لدينا ميكروفونات ومكبرات صوت. كان الاعتماد، بعد الله، على قوة الصوت وعلى سكون المساء وصمت المشاهدين. ويبدو ان كل ذلك قد تأتي وتوفر بعون الله. كما كان الحال كذلك بالنسبة لنبرات العود والتي ولجت مسامع الحشد حاملة ذلك اللحن الذي جمع دوماً ذلك المزج العبقري بين مشاعر التهليل واحاسيس الحزن. ما كان معي مجموعة كورس، كان عليَّ ان أودي بنفسي الدندنات والترنيمات بعد مقاطع القصيدة - لولو لللالو لو... ولكني ما كنت بحاجة كثيرة لذلك إذ كانت الدندنات واللو لولا تأتي في شكل كورس ضخم قوامه جمهرة التلاميذ المنتشرين بين حشد المشاهدين من الآباء واولياء الامور والضيوف. كانت حقاً ساعة تجلى؛ وكانت لحظة عمر..
انتهى اداء النشيد بالتصفيق الحار والاطراء من قبل المشاهدين للاستاذ الموسيقار عربي الصلحي ولشخصي. بادلنا الجمهور تحية بتحية ثم اخلينا المسرح ليستعد للمشهد التالي من المسرحية في تلك اللحظات التي طبيعياً ان يحفها الاحساس بالانجاز والشعور بالرضاء عن النفس وبالسعادة ان الامر كله كان صورة جميلة للذكرى، وهي كذلك ولا شك. مع ذلك في نفس تلك اللحظات كنت ايضاً أقول لنفسي ليت اني كنت من المشاهدين المستمتعين وليت ان أخي صديقي شرحبيل كان في مكاني يؤدي نشيد صه يا كنار بما عهد الله فيه من موهبة واقتدار فريدين.
ظللت كما ظل الناس من جيلي ومن اجيال مقارنة، ظللت وكما قال الاخ الصديق الفنان عثمان ادهم ظللت ومنذ ذلك الحين والى يومنا هذا اردد لنفسي، اطنطن وادندن واحياناً أؤدي بالتصفير لحن وكلمات صه يا كنار. فان كنت على مسمع من اشخاص سودانيين كانوا يعرفون ماذا اترنم ويعرفون لماذا. احياناً أكون على مسمع من غير السودانيين؛ والبعض كان يسألني ما ذلك اللحن الذي كنت تردد. وكنت اقول انه لحن من الحاننا من أيام المدرسة! ما لم اقل لهم انه لحن من ايام المدرسة ومن اعماق النفس والى مدى الحياة!!
مع الشكر الجزيل لمقدم البرنامج ولكل ضيوفه الكرام وللزميل الفنان عثمان أدهم.
وتحية الوفاء والمودة لصديق الصبا الفنان شرحبيل..
__________________
جضما معود علي الكفيت=
  #6  
قديم 02-09-2008, 06:22 AM
الصورة الرمزية علاء كرار
علاء كرار علاء كرار غير متواجد حالياً
Senior Member
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: الرياض - السعودية
المشاركات: 2,710
افتراضي

صباح جميل و كامل الدسم يا ريس

استمتعت غاية المتعة بهذا السرد التوثيقي الرائع و كثير من الرمزيات في الاغنية السودانية كنت اجهلها

مودتي
__________________
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ
 

« الموضوع السابق | الموضوع التالي »
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:20 PM.

التصميم والدعم الفني

Mohammed Abuagla


Powered by vBulletin® Version 3.8.1, Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir