أبوزهير
09-08-2007, 12:10 PM
تعود كل الحمير المدجنة في العالم اليوم إلى فصيلتين اثنتين من الحمير البرية التي كانت تسرح في القرن الإفريقي وبلاد النوبة. ولذا كان من الطبيعي أن يكون النوبة أول من روّض هذا الحمار في وقت غير محدد بدقة خلال الألف الرابع قبل الميلاد، بدليل أن مقبرة أمنحوتب التي تعود إلى حوالي 3000 سنة قبل الميلاد تتضمن رسوماً جدارية تظهر حميراً مستخدمة لنقل البضائع والركوب أيضاً... وتقريباً في العام 1800 قبل الميلاد خرج الحمار من وادي النيل عبر أسواق دمشق التي كانت مركزاً تجارياً مهماً إلى كل أصقاع العالم القديم وبسرعة كبيرة قياساً إلى الفترة الطويلة التي بقي فيها في بلاد النوبة. إذ إن قانون حمورابي الذي وضع في العراق بعد ذلك بثلاثمائة عام تضمن بنداً يقضي بإعدام من يسرق حماراً. فبسبب قدرات هذا الحيوان على السير فوق الطرق الوعرة انتشر في الجبال وبسبب قدرته على تحمل العطش والحر انتشر في كل الواحات الصحراوية من شمال إفريقيا إلى الصين. احتل الحمار مكاناً (لا مكانة) لم يحتله أي حيوان آخر في الحضارات الزراعية. استخدم في النقل بأوسع معاني الكلمة: نقل البضائع والأشخاص وجرّ العربات ونقل الحركة في الطواحين.. وصولاً إلى الإمدادات العسكرية لجيش الإسكندر المقدوني في حربه مع ملك الفرس داريوس، ليدخل بذلك معترك الحياة العسكرية أيضاً التي لن تنتهي إلا في القرن العشرين. وحتى أيام الإمبراطورية الرومانية كان هناك حمار من فصيلة مختلفة غير إفريقية الأصل وهو الحمار الأحمر الذي كان يستوطن آسيا الوسطى (ونرجح استطراداً أن اسم الحمار بالعربية يعود إلى اللون الأحمر ـ البني الذي كان يميز هذا الحيوان بالذات). ولكن الحمار الأحمر كان صعب المراس جداً وترويضه غير مضمون النتائج دوماً.. ولذا بمجرد وصول الحمار الإفريقي إلى روما تخلوا تماماً عن الحمار الأحمر لمصلحته إذا افترضنا أنه كانت للحمار الإفريقي »مصلحة« في هذا التبني.. أما الحمار الأحمر فهو اليوم مثله مثل معظم الحمير البرية.. مهدد بالانقراض. وخلال نحو ألفي عام لم يطرأ أي تغيير على عالم الحمار الأحمر سوى انتشاره في المزيد من أصقاع الدنيا ولم تطرأ غير تعديلات طفيفة على دوره التقليدي في الحياة الزراعية. فالحمير التي نقلها معه كريستوفر كولومبس إلى أمريكا (أربعة ذكور وأنثيان) تزاوجت مع الخيول لتلد البغال التي استخدمها الغزاة الإسبان في استكشاف القارة الجديدة وبعد استقلال أمريكا استورد الرئيس جورج واشنطن أول دفعة من الحمير إلى أمريكا. ولكن الحمار لم يحتل مكانته الفعلية في الحياة الأمريكية إلا خلال القرن التاسع عشر عندما فضله المنقبون عن الذهب على الحصان والبغل لقدرته على حمل المعدات في الأراضي الوعرة وطواعيته التي تغني عن اقتياده بحبل إذ إنه يتبع سيده من تلقاء نفسه. ولكن إنشاء السكك الحديد في النصف الثاني من القرن نفسه دفع بأصحاب الحمير إلى إطلاقها في البراري والصحارى حيث لا يزال حفدتها يتناسلون حتى اليوم.
الحمار في الفلسفة
في العام 1977 ترجم صنع الله ابراهيم رواية كان قد ألفها ونشرها الأديب الألماني المعروف غونتر دي براون قبل ذلك بنحو تسع سنوات وعنوانها »حمار بوريدان« ولأن المترجم أو الناشر (دار ابن رشد) ارتأى أن القارئ العربي لن يفقه معنى (حمار بو ريدان) جاءت الترجمة العربية بعنوان »الحمار« فقط وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن حمار بو ريدان لمن لا يعلم.
شهد القرن الرابع عشر الميلادي خلافاً فلسفياً حول »سلامة الاختيار الحر عند الحيوان« أي حول ما إذا كان الحيوان قادراً على المفاضلة ما بين أمرين بشكل سليم ولحسم الجدال قام جان بوريدان الذي كان يشغل منصب عميد جامعة السوربون بين العامين 1328 و1340 بتجربة حضرها ممثلون من الاتجاهين الفلسفيين المختلفين. قضت تجربة بو ريدان منع الطعام والماء عن حمار مدة طويلة ومن ثم الإتيان به إلى مسرح التجربة ووضعه بين دلوين أحدهما مليء بالماء والآخر بالشعير. فلم يتردد الحمار لحظة إذ توجه أولاً إلى الماء ليشرب ومن ثم إلى الشعير ليأكل كما يفترض المقتنعون بسلامة الاختيار الحر عند الحيوان. ولكن المعترضين على هذه النظرية رفضوا نتيجة التجربة واعتبروها محض مصادفة وبقوا على موقفهم الذي انتصر له لاحقاً الملك لويس الحادي عشر مهدداً الفريق الآخر بالمنع في بيان خاص بهذه القضية صدر في مدينة سانليس في الأول من آذار ـ مارس ـ 1473م. ما يهمنا من هذا أن الثقافة الشعبية لم تكترث للنقاش الفلسفي ولا لتجربة العميد بوريدان كما حصلت بالفعل بل زعمت أن الحمار ظل حائراً بين شرب الماء وأكل الشعير حتى قضى جوعاً ! وخرج »حمار بو ريدان« بذلك من الفلسفة إلى الثقافة الشعبية رمزاً للتمزق الناجم عن عدم القدرة على الاختيار. تصنيف ديكارت غير الموفق ولكن مانراه اليوم على أنه ترف فكري لم يكن كذلك في العصور الوسطى. إذ لم يكن العلماء والفلاسفة على استعداد لتقبل الفكرة القائلة بأن حيواناً وضيعاً وحقيراً مثل الحمار قادر على اتخاذ القرار السليم بشكل حر. فحتى الفيلسوف الفرنسي ديكارت لم يعترض على هذا المنحى، إذ أنكر في كتابه الشهير »خطاب المنهج« (1637م) على الحيوانات كل أشكال التفكير وأنزلها إلى مستوى »الساعات الميكانيكية« على حد تعبيره. ولكن الحمار الذي يتعرض للتعذيب قد يرفس ويعض من يقترب منه خشية تكرار التعذيب.. فهل رأى أحدنا ساعة ميكانيكية تعض يد الساعاتي إذا عاملها بخشونة؟ حمار فيكتور هوغو يواجه كنط في القرن التاسع عشر حضر الحمار على أقرب مسافة من الفلسفة إذ أجلسه فيكتور هوغو صاحب »البؤساء« و»أحدب نوتردام« في مواجهة الفيلسوف عمانوئيل كانط. أمضى هوغو مدة طويلة من الزمن في كتابة قصيدته المسماة »الحمار« وفي هذه القصيدة نستمع إلى حمار يدعى »باسيانس« (أي صبر بالفرنسية) يحاور على مدى خمس وستين صفحة الفيلسوف كانط الذي كانت مكانته الفكرية في ذروتها آنذاك. يرسم الحمار في هذه القصيدة من خلال مرافعته العنيفة والانفعالية صورة للإنسان الميئوس منه. ولا يجد عذراً وجيهاً يسوغ تصرفات هذا الإنسان. فيقول إن العلم ينحني أمام السياسة. ويتحدث عن إحراق العالمين جيوردانو برونو وكامبانيلا بدلاً من الاستماع إلى استجوابهما ويشير إلى غاليلو الذي تنكر ليقينه العلمي خوفاً من المصير نفسه. ويرى »صبر« أن الإنسان الصغير يتحول إلى وحش بعد بضع سنوات من التربية التي تغتال فيها براءته ولا تعلمه غير المكر والشر ويعلن استعداده للتبرع بكل كتبه مقابل شيء من طيبة القلب إذ إنه يفضل الإنسان »الجاهل والغبي والأعمى على شرط أن يكون طيب القلب« ولا يجد الفيلسوف كانط أية حجة عقلانية يقارع بها مرافعة الحمار الانفعالية فيعلن في نهاية القصيدة اقتناعه بصواب آراء الحمار ويعبر عن قلقه من صورة الإنسان: »عالم ولكنه خبيث جبان أمام الكبار ولكنه من دون رحمة أمام المساكين..«. وبعد عام على قصيدة »الحمار« كتب هوغو »الضفدع« حيث يروي أن حماراً كان يجر عربة عائداً بها إلى المزرعة بعد نهار شاق تعرض فيه للكثير من الضرب فصادف في طريقه ضفدعاً كان بعض الأولاد القساة قد سمّروه على الأرض ويستعدون لقتله بدحرجة عجلة فوقه. ولكن الحمار يستجمع ما بقي لديه من قوة لتغيير مسار العجلة القاتلة، وإنقاذ شقيقه في البؤس من الموت. ويستخلص هوغو »أن هذا الحمار هو أنبل من سقراط وأعظم من أفلاطون«. الأحمق والحكيم والجبان غير أن ذروة الأدب الذي أنسن الحمار لإلقاء المواعظ والحكم كانت في أعمال الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين الذي كتب ثلاث مجموعات من الحكايا الشعرية (في الأعوام 1668و1678 و1694م) عرف كيف يسخِّر فيها الحيوانات لتوجيه أقسى أنواع النقد لأحوال المجتمع الفرنسي وقيمه وعاداته آنذاك. ويذكر لافونتين مصادره: حكايا أيزوب (القرن السابع الميلادي قبل الميلاد) وفيدر (القرن الأول) وبيدبا الهندي.ويظهر الحمار في أعمال لافونتين في أشكال عديدة. فهو ضحية عاجزة في »»سارقو الحمار« وحكيم في »العجوز والحمار« حيث يقول »عدونا هو سيدنا!« ومعتد بنفسه بغباء في »الحمار حامل الذخائر«، وجبان في »الأسد العجوز« حيث لا يتردد في رفس أسد محتضر.. وأحياناً يجمع لافونتين في الحمار جملة صفات مثل الجبن والحماقة والحكمة كما هو الحال في حكاية »الحمار حامل الاسفنج والحمار حامل الملح«، حيث ينجو الحمار من الغرق بسبب حماقته!. أما الحمار عند جورج أورويل الذي كتب في العام 1945م »مزرعة الحيوانات«، فإنه لا يضحك أبداً »لأن ما من سبب يدعو الى ذلك«. فهو لا يفهم لماذا نصَّب الإنسان نفسه سيداً على كل الحيوانات، في حين أنه الوحيد الذي يستهلك من دون أن ينتج لا بيضاً ولا حليباً.. وفي هذه المزرعة ينشئ الحيوانات »جمعية مساواة«، ولكن الخنازير الذين أمسكوا بالسلطة على الجمعية أعلنوا »أن بعض الحيوانات متساوية أكثر من غيرها«.. وحده الحمار في هذا العمل المتخيل يُظهر شيئاً من الإحساس بالشفقة والعاطفة، عندما يقف ليطرد بذيله الذباب الذي راح يحوم على صديقه الحصان مالابار خلال احتضاره، وبعدما تخلّى عنه الجميع. حمار جحا واقعي.. أما الحكاية..؟
أما الشكل الثالث الذي ظهر الحمار به في الأدب، فهو شكل الحيوان الواقعي، رفيق الفلاح ومطية الفقير.. فإلى جانب دون كيشوت على حصانه هناك خادمه سانشو بانزا على حماره.. ولكن هذا الحمار الذي هو مجرد أداة نقل ومطية، وعاجز كما هو في الواقع عن الكلام والتعبير، لم يكن دوماً بطل قصة واقعية، بل أقرب الى أن يكون ممثلاً مساعداً في عمل سينمائي، وأشهر الحمير في هذا المجال هو حمار جحا.. في نوادر الشيخ نصر الدين جحا الرومي، يشغل الحمار دور البطولة الثانية من دون منازع الى جانب البطل الأول جحا. وحمار جحا واقعي، أي انه مجرد حيوان أليف يرافق صاحبه ويشاطره مغامراته كما في أي مجتمع زراعي أو قروي. ولكن هذا الحيوان الذي لا يتكلم ولا يكاد يشعر حتى انه ينزل الى مستوى »الشيء«، يستخدم ببراعة لإظهار حماقة الإنسان وطباعه المختلفة. ولعل أشهر حكايا جحا مع الحمار هي التي تحمل العنوان: »من يسلم من لسان الخلق لله درّه. يشار الى أن هناك شكوكاً في أن تكون هذه الحكاية أصلاً من نوادر جحا. إذ إنها تحظى بشهرة عالمية، وكتبت أكثر من مرة في أكثر من مكان.
الحمار في الفلسفة
في العام 1977 ترجم صنع الله ابراهيم رواية كان قد ألفها ونشرها الأديب الألماني المعروف غونتر دي براون قبل ذلك بنحو تسع سنوات وعنوانها »حمار بوريدان« ولأن المترجم أو الناشر (دار ابن رشد) ارتأى أن القارئ العربي لن يفقه معنى (حمار بو ريدان) جاءت الترجمة العربية بعنوان »الحمار« فقط وهذا ما يدفعنا إلى الحديث عن حمار بو ريدان لمن لا يعلم.
شهد القرن الرابع عشر الميلادي خلافاً فلسفياً حول »سلامة الاختيار الحر عند الحيوان« أي حول ما إذا كان الحيوان قادراً على المفاضلة ما بين أمرين بشكل سليم ولحسم الجدال قام جان بوريدان الذي كان يشغل منصب عميد جامعة السوربون بين العامين 1328 و1340 بتجربة حضرها ممثلون من الاتجاهين الفلسفيين المختلفين. قضت تجربة بو ريدان منع الطعام والماء عن حمار مدة طويلة ومن ثم الإتيان به إلى مسرح التجربة ووضعه بين دلوين أحدهما مليء بالماء والآخر بالشعير. فلم يتردد الحمار لحظة إذ توجه أولاً إلى الماء ليشرب ومن ثم إلى الشعير ليأكل كما يفترض المقتنعون بسلامة الاختيار الحر عند الحيوان. ولكن المعترضين على هذه النظرية رفضوا نتيجة التجربة واعتبروها محض مصادفة وبقوا على موقفهم الذي انتصر له لاحقاً الملك لويس الحادي عشر مهدداً الفريق الآخر بالمنع في بيان خاص بهذه القضية صدر في مدينة سانليس في الأول من آذار ـ مارس ـ 1473م. ما يهمنا من هذا أن الثقافة الشعبية لم تكترث للنقاش الفلسفي ولا لتجربة العميد بوريدان كما حصلت بالفعل بل زعمت أن الحمار ظل حائراً بين شرب الماء وأكل الشعير حتى قضى جوعاً ! وخرج »حمار بو ريدان« بذلك من الفلسفة إلى الثقافة الشعبية رمزاً للتمزق الناجم عن عدم القدرة على الاختيار. تصنيف ديكارت غير الموفق ولكن مانراه اليوم على أنه ترف فكري لم يكن كذلك في العصور الوسطى. إذ لم يكن العلماء والفلاسفة على استعداد لتقبل الفكرة القائلة بأن حيواناً وضيعاً وحقيراً مثل الحمار قادر على اتخاذ القرار السليم بشكل حر. فحتى الفيلسوف الفرنسي ديكارت لم يعترض على هذا المنحى، إذ أنكر في كتابه الشهير »خطاب المنهج« (1637م) على الحيوانات كل أشكال التفكير وأنزلها إلى مستوى »الساعات الميكانيكية« على حد تعبيره. ولكن الحمار الذي يتعرض للتعذيب قد يرفس ويعض من يقترب منه خشية تكرار التعذيب.. فهل رأى أحدنا ساعة ميكانيكية تعض يد الساعاتي إذا عاملها بخشونة؟ حمار فيكتور هوغو يواجه كنط في القرن التاسع عشر حضر الحمار على أقرب مسافة من الفلسفة إذ أجلسه فيكتور هوغو صاحب »البؤساء« و»أحدب نوتردام« في مواجهة الفيلسوف عمانوئيل كانط. أمضى هوغو مدة طويلة من الزمن في كتابة قصيدته المسماة »الحمار« وفي هذه القصيدة نستمع إلى حمار يدعى »باسيانس« (أي صبر بالفرنسية) يحاور على مدى خمس وستين صفحة الفيلسوف كانط الذي كانت مكانته الفكرية في ذروتها آنذاك. يرسم الحمار في هذه القصيدة من خلال مرافعته العنيفة والانفعالية صورة للإنسان الميئوس منه. ولا يجد عذراً وجيهاً يسوغ تصرفات هذا الإنسان. فيقول إن العلم ينحني أمام السياسة. ويتحدث عن إحراق العالمين جيوردانو برونو وكامبانيلا بدلاً من الاستماع إلى استجوابهما ويشير إلى غاليلو الذي تنكر ليقينه العلمي خوفاً من المصير نفسه. ويرى »صبر« أن الإنسان الصغير يتحول إلى وحش بعد بضع سنوات من التربية التي تغتال فيها براءته ولا تعلمه غير المكر والشر ويعلن استعداده للتبرع بكل كتبه مقابل شيء من طيبة القلب إذ إنه يفضل الإنسان »الجاهل والغبي والأعمى على شرط أن يكون طيب القلب« ولا يجد الفيلسوف كانط أية حجة عقلانية يقارع بها مرافعة الحمار الانفعالية فيعلن في نهاية القصيدة اقتناعه بصواب آراء الحمار ويعبر عن قلقه من صورة الإنسان: »عالم ولكنه خبيث جبان أمام الكبار ولكنه من دون رحمة أمام المساكين..«. وبعد عام على قصيدة »الحمار« كتب هوغو »الضفدع« حيث يروي أن حماراً كان يجر عربة عائداً بها إلى المزرعة بعد نهار شاق تعرض فيه للكثير من الضرب فصادف في طريقه ضفدعاً كان بعض الأولاد القساة قد سمّروه على الأرض ويستعدون لقتله بدحرجة عجلة فوقه. ولكن الحمار يستجمع ما بقي لديه من قوة لتغيير مسار العجلة القاتلة، وإنقاذ شقيقه في البؤس من الموت. ويستخلص هوغو »أن هذا الحمار هو أنبل من سقراط وأعظم من أفلاطون«. الأحمق والحكيم والجبان غير أن ذروة الأدب الذي أنسن الحمار لإلقاء المواعظ والحكم كانت في أعمال الشاعر الفرنسي جان دي لافونتين الذي كتب ثلاث مجموعات من الحكايا الشعرية (في الأعوام 1668و1678 و1694م) عرف كيف يسخِّر فيها الحيوانات لتوجيه أقسى أنواع النقد لأحوال المجتمع الفرنسي وقيمه وعاداته آنذاك. ويذكر لافونتين مصادره: حكايا أيزوب (القرن السابع الميلادي قبل الميلاد) وفيدر (القرن الأول) وبيدبا الهندي.ويظهر الحمار في أعمال لافونتين في أشكال عديدة. فهو ضحية عاجزة في »»سارقو الحمار« وحكيم في »العجوز والحمار« حيث يقول »عدونا هو سيدنا!« ومعتد بنفسه بغباء في »الحمار حامل الذخائر«، وجبان في »الأسد العجوز« حيث لا يتردد في رفس أسد محتضر.. وأحياناً يجمع لافونتين في الحمار جملة صفات مثل الجبن والحماقة والحكمة كما هو الحال في حكاية »الحمار حامل الاسفنج والحمار حامل الملح«، حيث ينجو الحمار من الغرق بسبب حماقته!. أما الحمار عند جورج أورويل الذي كتب في العام 1945م »مزرعة الحيوانات«، فإنه لا يضحك أبداً »لأن ما من سبب يدعو الى ذلك«. فهو لا يفهم لماذا نصَّب الإنسان نفسه سيداً على كل الحيوانات، في حين أنه الوحيد الذي يستهلك من دون أن ينتج لا بيضاً ولا حليباً.. وفي هذه المزرعة ينشئ الحيوانات »جمعية مساواة«، ولكن الخنازير الذين أمسكوا بالسلطة على الجمعية أعلنوا »أن بعض الحيوانات متساوية أكثر من غيرها«.. وحده الحمار في هذا العمل المتخيل يُظهر شيئاً من الإحساس بالشفقة والعاطفة، عندما يقف ليطرد بذيله الذباب الذي راح يحوم على صديقه الحصان مالابار خلال احتضاره، وبعدما تخلّى عنه الجميع. حمار جحا واقعي.. أما الحكاية..؟
أما الشكل الثالث الذي ظهر الحمار به في الأدب، فهو شكل الحيوان الواقعي، رفيق الفلاح ومطية الفقير.. فإلى جانب دون كيشوت على حصانه هناك خادمه سانشو بانزا على حماره.. ولكن هذا الحمار الذي هو مجرد أداة نقل ومطية، وعاجز كما هو في الواقع عن الكلام والتعبير، لم يكن دوماً بطل قصة واقعية، بل أقرب الى أن يكون ممثلاً مساعداً في عمل سينمائي، وأشهر الحمير في هذا المجال هو حمار جحا.. في نوادر الشيخ نصر الدين جحا الرومي، يشغل الحمار دور البطولة الثانية من دون منازع الى جانب البطل الأول جحا. وحمار جحا واقعي، أي انه مجرد حيوان أليف يرافق صاحبه ويشاطره مغامراته كما في أي مجتمع زراعي أو قروي. ولكن هذا الحيوان الذي لا يتكلم ولا يكاد يشعر حتى انه ينزل الى مستوى »الشيء«، يستخدم ببراعة لإظهار حماقة الإنسان وطباعه المختلفة. ولعل أشهر حكايا جحا مع الحمار هي التي تحمل العنوان: »من يسلم من لسان الخلق لله درّه. يشار الى أن هناك شكوكاً في أن تكون هذه الحكاية أصلاً من نوادر جحا. إذ إنها تحظى بشهرة عالمية، وكتبت أكثر من مرة في أكثر من مكان.