صلاح هاشم السعيد
11-04-2007, 12:12 PM
محافظة مروي
موجز تاريخي
على امتداد الفترات التاريخية ظلت المنطقة الممتدة بين الشلال الرابع ومدينة الدبة والتي نشير إليها في هذا الموجز (بالمحافظة) اي ما يعرف اليوم بمحافظة مروي بالاقليم الشمالي من السودان : منطقة مركزية أو قريبة من المركز بعيدة عن الهامش وكان لما وقع فيها من احداث وما شهدته من تطورات حضارية وسياسية تأثيرات تجاوزت حدود المحافظة إلى ما بعدها.
عرفت المنطقة وجوداً بشرياً وحضارياً منذ امد بعيد فالقرب الجغرافي للسودان من شرق افريقيا التي الدلائل المتوفرة حالياً إلى أنها شهدت البدايات الأولى للإنسان والحضارة ساهم في وجود حضارة مبكرة وقد عثر في المنطقة المشار إليها على فؤوس حجرية من عصور ما قبل التاريخ من عدة مواقع في المحافظة شملت سكاكين ومناجل حجرية ورؤوس سهام تؤرخ إلى نحو (120-100) الف سنة ق.م وفي مرحلة لاحقة دخلت المحافظة في مرحلة صناعة الفخار واستئناس الحيوان والزراعة نحو (8-5) الف سنة ق.م.
بعد قيام الدولة في شمالي وادي النيل نحو 3000 ق.م ، حرص حكام مصر على مد نفوذهم جنوباً ما أمكن ، إلا أن ذلك لم يكتمل بشكل مرض إلا في عهد الدولة المصرية الحديثة حيث وصلوا إلى ما عرف عندهم بالجبل المقدس (جبل البركل) وهناك بنوا معبداً للمعبود آمون خلال حكم تحتمس الثالث (نحو 1500 سنة ق.م) في الأسرة 18، وتحولت المنطقة إلى أهم مركز ديني وإداري خارج مصر فيما عرف لاحقاً باسم (كوش). أرهقت الحروب المتصلة باهظة التكاليف في الشام الدولة المصرية. وبنهاية الاسرة 20 فقدت مصر سيطرتها على كوش. ودخلت في فترة شح معلوماتي حتى نحو 900 ق.م حين ظهرت على سطح الأحداث أسرة محلية كشف عن قبور ستة من أسلافهم في الكرو.. أسسوا إدارة محلية ومدوا نفوذهم حولها وعلى كوش بكاملها حتى وصل أحد أحفاد تلك الأسرة وهو كوشتو (ابن كوش) إلى الحكم نحو 800 ق.م. وخرج بحدود الدولة إلى الوجه القبلي من مصر وسيطر على الأقصر حاضرة مصر القديمة. وبالتالي أصبح أول فراعنة الأسرة 25 وفي نحو 750ق.م خلفه ابنه بين (بعانخي) الذي قاد اشهر حملة في تاريخ المنطقة لتأديب حكام الأقاليم المصرية، ومد نفوذ دولته الى الدلتا المصرية وعاد بعدها إلى عاصمته. وقد سجل تفاصيل تلك الحملة على لوج وجد عند جبل البركل، يعد من أروع السجلات التي عرفها التاريخ القديم.
خلفه أخوه شبكو ، نحو 716 ق.م. ومن بعده إنبه الأصغر تارقو (تهراقا) نحو 690 ق.م ظل هؤلاء يحكمون مصر شمال السودان ووسطه وكامل مصر. وشهدت البلاد في عهدهم نهضة معمارية واسعة، غير أنهم دخلوا في حروب متصلة مع الآشوريين وكانت كوش وآشور يومها أكبر قوتين في العالم. أنتهت تلك الحروب بتراجع الكوشيين جنوباً ليفقدوا السيطرة على مصر أيام حكم تانوثمان بن شبتكو آخر فراعنة الأسرة 25 نحو عام 655 ق.م غير أن سيطرتهم على شمال ووسط السودان استمرت لألف عام بعد ذلك (من 650 ق.م إلى 350 ق.م) بقي الحكم خلالها في أحفاد الأسرة حيث كانت وراثة العرش تنتقل عن طريق الأم (من الأخ إلى أخية أو إبن الأخت) إلا أن تعذر وجوده ، حفاظاً على الدم الملوكي وقد دفن ملوك الأسرة 25 وزوجاتهم من إخوانهم واسلافهم في الجبانة الملكية في الكرو ما عدا تارقو الذي دفن في أكبر إهرامات نوري مع 20 من الملوك الذين حكموا بعده. ورغم إنتقال العاصمة إلى مروي القديمة (البجراوية) نحو 590 ق.م إلا أن الملوك حرصوا على أن يدفنوا حيث أسلافهم ، حتى لم يعد من مكان في جبانات الكرو ونوري فانتقلوا إلى جبانات البجراوية على أن بعض الحكام الاقليميين دفنوا في اهرامات حول جبل البركل. وقد تميز الكوشيين من الحكام عن رصفائهم في مصر بعدة سمات تمثلت في وراثة العرش وطريقة الدفن وحروف الكتابة والعقيدة الدينية وخلافها.
بعد سقوط كوش نتيجة ضعف داخلي وهجمات الاكسوميين انقسمت البلاد إلى دويلات اقليمية تمثلت إحداها في المحافظة متخذة من تنقاسي الزومة مركزاً لها خلال الفترة منذ نحو 350 م. وحتى 750 م. وقد تركت تلك الدويلة آثارها هناك في شكل مقابر ركامية لا تزال شاخصة.
في القرن السادس الميلادي نقض الامبراطور جستنيان معاهدة فيله التي كانت تمنح الكوشيين حرية العبادة. وانفتحت البلاد أمام التبشير المسيحي الذي وفدت حملاته من الشمال والشرق. وتأسست ثلاث دول مسيحية في السودان تمركزت إحداها وهي المغرة في الوسط متخذة من دنقلا العجوز عاصمة لها. وأنشأت الكنائس والأديرة في كثير من قرى المحافظة، لا تزال إحداها قائمة في الغزالة على خور أبي دوم شرق مدينة مروي.
تحولت مصر إلى دولية إسلامية بعد الفتح الإسلامي عام 641م. وبعثت حملات إلى شمال السودان فشلت في السيطرة عليه وانتهت بمعاهدة البقط نحو عام 650م. وظلت العلاقات مع مصر بين شد وجذب حتى نحو عام 1250م. حين ضعفت الدويلة المسيحية ليجد المماليك الفرصة سانحة للقضاء عليها.
تدفقت أثر ذلك كل أفواج العناصر العربية عبر عدة طرق، وتمركزت في الأجزاء الوسطى منه. ونتجة حلف بين الفونج والعبدلاب قامت دولة اسلامية نحو عام 1504م اشتهرت المحافظة وقتها بمراكزها الدينية وخلاوي حفظ القرآن.
وفي منتصف القرن السابع عشر نحو 1660م ثار سكان المحافظة على سلطة الفونج المركزية وأعلنوا تمردهم عليها مما منحهم استقلالاً كاملاً وفصلوا المنطقة من الشلال الرابع شمالاً عن سلطة الفونج وعينوا حكاماً لها ، إلا أنهم فشلوا في يتوحدوا في دويلة واحدة ، إذ لو فعلوا لكان لهم شأن أكبر من تاريخ تلك الفترة ، وأنقسموا إلى أربعة ممالك تمركزت حول أمري ومروي شرق وكجبي وحنك ، وتقف القلاع والحصون في تلك المنطقة شاهداً عليهم، حيث تواصلت حملاتهم منها على الاقليم إلى الشمال والجنوب حتى كان الغزو التركي. سقطت جميع الحاميات السودانية من الشلال الأول إلى سنار دون مقاومة أمام الجيش التركي عدا معركة واحدة خاضها الأتراك في كورتي 14/11/1898م ، كتب عنها شهود عيان ممن رافقوا الحملة بأنها كانت ملحمة بحق، سيطر الأتراك بعدها على السودان حتى قيام الثورة المهدية في عام 1881م. وبعد إنتصار الثورة أقام الخليفة عبدالله مراكز إدارية في المنطقة ، حتى كانت حملة كتشنر لاسترداد السودان، وصل الجيش البريطاني إلى المكان الذي أقيمت عليه مدينة مروى الحالية في اكتوبر 1896م. بعد سته أشهر من دخوله الحدود السودانية، وفي مروي عسكر الجيش نحو قرابة العام في إنتظار تكملة خط السكة الحديد بين حلفا وأبي حمد, وفي يوليو 1897م عبر الجيش إلى الضفة الشرقية من مروي وواصل سيره ليحتل أبا حمد ثم بربر ويخوض معركة النخيلة في 8/4/1898م وبعدها معركة كرري في 20/9/1898م.
عين البريطانيون جاكسون باشا أحد أهم الشخصيات الإدارية التي عرفتها تلك الحقبة. وقد أنشاء مدينة مروي الحديثة عاصمة للمديرية التي بقي حاكماً لها حتى توفي ودفن فيها.
بروفيسور / عباس سيد أحمد زروق
موجز تاريخي
على امتداد الفترات التاريخية ظلت المنطقة الممتدة بين الشلال الرابع ومدينة الدبة والتي نشير إليها في هذا الموجز (بالمحافظة) اي ما يعرف اليوم بمحافظة مروي بالاقليم الشمالي من السودان : منطقة مركزية أو قريبة من المركز بعيدة عن الهامش وكان لما وقع فيها من احداث وما شهدته من تطورات حضارية وسياسية تأثيرات تجاوزت حدود المحافظة إلى ما بعدها.
عرفت المنطقة وجوداً بشرياً وحضارياً منذ امد بعيد فالقرب الجغرافي للسودان من شرق افريقيا التي الدلائل المتوفرة حالياً إلى أنها شهدت البدايات الأولى للإنسان والحضارة ساهم في وجود حضارة مبكرة وقد عثر في المنطقة المشار إليها على فؤوس حجرية من عصور ما قبل التاريخ من عدة مواقع في المحافظة شملت سكاكين ومناجل حجرية ورؤوس سهام تؤرخ إلى نحو (120-100) الف سنة ق.م وفي مرحلة لاحقة دخلت المحافظة في مرحلة صناعة الفخار واستئناس الحيوان والزراعة نحو (8-5) الف سنة ق.م.
بعد قيام الدولة في شمالي وادي النيل نحو 3000 ق.م ، حرص حكام مصر على مد نفوذهم جنوباً ما أمكن ، إلا أن ذلك لم يكتمل بشكل مرض إلا في عهد الدولة المصرية الحديثة حيث وصلوا إلى ما عرف عندهم بالجبل المقدس (جبل البركل) وهناك بنوا معبداً للمعبود آمون خلال حكم تحتمس الثالث (نحو 1500 سنة ق.م) في الأسرة 18، وتحولت المنطقة إلى أهم مركز ديني وإداري خارج مصر فيما عرف لاحقاً باسم (كوش). أرهقت الحروب المتصلة باهظة التكاليف في الشام الدولة المصرية. وبنهاية الاسرة 20 فقدت مصر سيطرتها على كوش. ودخلت في فترة شح معلوماتي حتى نحو 900 ق.م حين ظهرت على سطح الأحداث أسرة محلية كشف عن قبور ستة من أسلافهم في الكرو.. أسسوا إدارة محلية ومدوا نفوذهم حولها وعلى كوش بكاملها حتى وصل أحد أحفاد تلك الأسرة وهو كوشتو (ابن كوش) إلى الحكم نحو 800 ق.م. وخرج بحدود الدولة إلى الوجه القبلي من مصر وسيطر على الأقصر حاضرة مصر القديمة. وبالتالي أصبح أول فراعنة الأسرة 25 وفي نحو 750ق.م خلفه ابنه بين (بعانخي) الذي قاد اشهر حملة في تاريخ المنطقة لتأديب حكام الأقاليم المصرية، ومد نفوذ دولته الى الدلتا المصرية وعاد بعدها إلى عاصمته. وقد سجل تفاصيل تلك الحملة على لوج وجد عند جبل البركل، يعد من أروع السجلات التي عرفها التاريخ القديم.
خلفه أخوه شبكو ، نحو 716 ق.م. ومن بعده إنبه الأصغر تارقو (تهراقا) نحو 690 ق.م ظل هؤلاء يحكمون مصر شمال السودان ووسطه وكامل مصر. وشهدت البلاد في عهدهم نهضة معمارية واسعة، غير أنهم دخلوا في حروب متصلة مع الآشوريين وكانت كوش وآشور يومها أكبر قوتين في العالم. أنتهت تلك الحروب بتراجع الكوشيين جنوباً ليفقدوا السيطرة على مصر أيام حكم تانوثمان بن شبتكو آخر فراعنة الأسرة 25 نحو عام 655 ق.م غير أن سيطرتهم على شمال ووسط السودان استمرت لألف عام بعد ذلك (من 650 ق.م إلى 350 ق.م) بقي الحكم خلالها في أحفاد الأسرة حيث كانت وراثة العرش تنتقل عن طريق الأم (من الأخ إلى أخية أو إبن الأخت) إلا أن تعذر وجوده ، حفاظاً على الدم الملوكي وقد دفن ملوك الأسرة 25 وزوجاتهم من إخوانهم واسلافهم في الجبانة الملكية في الكرو ما عدا تارقو الذي دفن في أكبر إهرامات نوري مع 20 من الملوك الذين حكموا بعده. ورغم إنتقال العاصمة إلى مروي القديمة (البجراوية) نحو 590 ق.م إلا أن الملوك حرصوا على أن يدفنوا حيث أسلافهم ، حتى لم يعد من مكان في جبانات الكرو ونوري فانتقلوا إلى جبانات البجراوية على أن بعض الحكام الاقليميين دفنوا في اهرامات حول جبل البركل. وقد تميز الكوشيين من الحكام عن رصفائهم في مصر بعدة سمات تمثلت في وراثة العرش وطريقة الدفن وحروف الكتابة والعقيدة الدينية وخلافها.
بعد سقوط كوش نتيجة ضعف داخلي وهجمات الاكسوميين انقسمت البلاد إلى دويلات اقليمية تمثلت إحداها في المحافظة متخذة من تنقاسي الزومة مركزاً لها خلال الفترة منذ نحو 350 م. وحتى 750 م. وقد تركت تلك الدويلة آثارها هناك في شكل مقابر ركامية لا تزال شاخصة.
في القرن السادس الميلادي نقض الامبراطور جستنيان معاهدة فيله التي كانت تمنح الكوشيين حرية العبادة. وانفتحت البلاد أمام التبشير المسيحي الذي وفدت حملاته من الشمال والشرق. وتأسست ثلاث دول مسيحية في السودان تمركزت إحداها وهي المغرة في الوسط متخذة من دنقلا العجوز عاصمة لها. وأنشأت الكنائس والأديرة في كثير من قرى المحافظة، لا تزال إحداها قائمة في الغزالة على خور أبي دوم شرق مدينة مروي.
تحولت مصر إلى دولية إسلامية بعد الفتح الإسلامي عام 641م. وبعثت حملات إلى شمال السودان فشلت في السيطرة عليه وانتهت بمعاهدة البقط نحو عام 650م. وظلت العلاقات مع مصر بين شد وجذب حتى نحو عام 1250م. حين ضعفت الدويلة المسيحية ليجد المماليك الفرصة سانحة للقضاء عليها.
تدفقت أثر ذلك كل أفواج العناصر العربية عبر عدة طرق، وتمركزت في الأجزاء الوسطى منه. ونتجة حلف بين الفونج والعبدلاب قامت دولة اسلامية نحو عام 1504م اشتهرت المحافظة وقتها بمراكزها الدينية وخلاوي حفظ القرآن.
وفي منتصف القرن السابع عشر نحو 1660م ثار سكان المحافظة على سلطة الفونج المركزية وأعلنوا تمردهم عليها مما منحهم استقلالاً كاملاً وفصلوا المنطقة من الشلال الرابع شمالاً عن سلطة الفونج وعينوا حكاماً لها ، إلا أنهم فشلوا في يتوحدوا في دويلة واحدة ، إذ لو فعلوا لكان لهم شأن أكبر من تاريخ تلك الفترة ، وأنقسموا إلى أربعة ممالك تمركزت حول أمري ومروي شرق وكجبي وحنك ، وتقف القلاع والحصون في تلك المنطقة شاهداً عليهم، حيث تواصلت حملاتهم منها على الاقليم إلى الشمال والجنوب حتى كان الغزو التركي. سقطت جميع الحاميات السودانية من الشلال الأول إلى سنار دون مقاومة أمام الجيش التركي عدا معركة واحدة خاضها الأتراك في كورتي 14/11/1898م ، كتب عنها شهود عيان ممن رافقوا الحملة بأنها كانت ملحمة بحق، سيطر الأتراك بعدها على السودان حتى قيام الثورة المهدية في عام 1881م. وبعد إنتصار الثورة أقام الخليفة عبدالله مراكز إدارية في المنطقة ، حتى كانت حملة كتشنر لاسترداد السودان، وصل الجيش البريطاني إلى المكان الذي أقيمت عليه مدينة مروى الحالية في اكتوبر 1896م. بعد سته أشهر من دخوله الحدود السودانية، وفي مروي عسكر الجيش نحو قرابة العام في إنتظار تكملة خط السكة الحديد بين حلفا وأبي حمد, وفي يوليو 1897م عبر الجيش إلى الضفة الشرقية من مروي وواصل سيره ليحتل أبا حمد ثم بربر ويخوض معركة النخيلة في 8/4/1898م وبعدها معركة كرري في 20/9/1898م.
عين البريطانيون جاكسون باشا أحد أهم الشخصيات الإدارية التي عرفتها تلك الحقبة. وقد أنشاء مدينة مروي الحديثة عاصمة للمديرية التي بقي حاكماً لها حتى توفي ودفن فيها.
بروفيسور / عباس سيد أحمد زروق