صلاح هاشم السعيد
10-31-2007, 07:17 AM
اجراء تفسيري ـ دفاعاً عن ثقافة الشايقية ـ مدخل لفهم ثقافة الشايقية
________________________________________
إجراء تفسيري ــ دفاعاً عن ثقافة الشايقية ـ
مدخل لفهم ثقافة الشايقية
مسألة الدفاع عن ثقافة الشايقية، تكتسب أهمية من كونها معبرة بشدة عن حضارة "لا إعتماداً على جمالها الشكلي". على اعتبار أنها ليست مجرد حالة من انتظام الوعي، أو مجرد التقاء عفوي لتشكيل ذاكرة عامة، أو إحداث معادل وصفي لتفسير أعمق لمسألة المكانية والظرفية التاريخية، ولا حتى من كونها محاولة للوصول إلى نوع من الإدراك للمعقولية الإنسانية . لكن في تقديري أنه بشيء من الحذر والتأني يمكن القول أن ثقافة الشايقية أخذت أهميتها وأبعادها الكلية من إمساكها وارتباطها العميق والوثيق بجوهرها الحضاري الحي النابض الثمين. الأمر الذي أتاح لها صيغ حضارية متفردة ظلت تمكنها على مدى العصور من التأسيس لشكل من أشكال صياغة الوجود. فالحضارة ليست اجتراء نظري على الواقع، فهي على المستوى العملي، فعل وتفسير مادي وتحقيق ارضي واقعي ملموس للمشروع الثقافي نفسه. أيضاً أعتقد أن هذه الثقافة ظلت تكتسب مشروعيتها وأهميتها من حيث شعورها بتعقيدات الحياة الواقعية، ومن حيث اعتمادها التأويل عند التفسير، ومن حيث اعتمادها السيطرة في ممارسة مسئوليتها على حركية التدافع والاحتكاك، وعند خروجها على بنائها وعلي الآخر لفرض وصياتها على منعطف التاريخ.
والحديث عن ثقافة الشايقية ليس حديثاً خارجياً ـ بمعنى أنها كثقافة لا تكتمل إلا فينا، وكيفية وجودها ليست مسئولة عن كيفية رؤيتنا لها، وإنما ذلك راجع إلى زاوية المنظر وأساليب المعالجات والالتفاتات والتفاسير، فالمسئولية تاريخية وذاتية مباشرة عن تفسيرنا لمحمولنا الثقافي, وحسب ظني أن هذا لا يعفي الثقافة باعتبارها أيضاً موضوعاً قابلاً للتفسير.
خاطئ من ظن أن ثقافة الشايقية لا تدين بشيء لطبيعتنا البشرية، فهي ليست ما هي عليه إلا بنا. باعتبار أنها في كلياتها ومنتهاها إبداعاً ذاتياً لم تقدم له الطبيعة إلا عناصره وباعتبار أننا كمعالج خلاق أكثر من مجرد وعاء للمحمول الثقافي وناقل محوري في التداول والتوارث الثقافي.. ولا ننسى أن الشايقي نفسه هو المنفذ والمعبر عن هذه الثقافة على المستوى العملي, والمحقق لها على أرض الواقع. لذا عند محاولة فهم ثقافة الشايقية علينا النظر إلى أنفسنا باعتبار أننا موضوعاً ذاتياً ومحورياً للتفسير..
قد تفشل محاولة التمييز بين العناصر الوظيفية والجمالية لثقافة الشايقية، فهي كثقافة تحمل في داخلها مساحة لإنسانها، تحمي كيانه وتدافع عن وجوده. أيضاً الشمال استولد أساليب خاصة وأشكال تعبيرية متنوعة كأنساق جمالية متفردة تميزها خصوصية المنطقة وجغرافيا التكوينات المعرفية والجمالية الدالة على ذات الثقافة. هذه الأنساق "كتعبير" اتخذت من حميمية التوصيف كرامز لاشتهاءات إنسان الشمال الجامح المتأجج الرغبات، ذلك العاشق المفتون بحب الطبيعة والحياة. كما أنها ظلت أبداً ترمز للهوية الثقافية وتؤكد على مشروعية الرغبات الذاتية والفردية في التحقق والتوازن ما بين التوحد والانفلات.
لقد أوجدت ثقافة الشايقية لنفسها مساحات تعبيرية واسعة للتوازن والتصالح، أيضاً للتأقلم والقبول، ومساحات للتناغم والحوار مع معطيات وثنائية الطبيعة "السهل والصحراء" لذا قد يصعب أيضاً الفصل في علاقة هذه الثقافة بالطبيعة.
والمدهش حقاً هذا التناسق والتوازن ما بين "الموضوعي الخارجي" وبين ما يمكن تعريفه "بالذائقة المذاجية عند الشايقي" على المستويين الفردي والجمعي. وهنا يبدو وكأن دور الثقافة ينتفي ويتلاشى ويقتصر في اللاوعي على التنظيم كوسيط محايد ليأخذ الفرد ملامحه التي تخصه، فلا يكون هناك أي إقحام أو زج قسري لأي مفردة ما لم تتطابق وتتوازن في مدلولها النفسي والوجداني مع الذات المفردة المتفردة الحرة، في بحثها عن صيغ ومضامين خاصة في الإطار الأخلاقي المرموز له في السلوك الجماعي. أي بمعنى أن ثقافة الشايقية تخرج لتستعير المزاج الشخصي لإنسانها، لتحقق تجانساً طوعياً بين نشاطه العاطفي وانسجامه الحسي وتؤكد الحق المطلق في الإيقاع الحر المنتظم "كحالة عليا من النظام" لحياة مفردة سوية ومتوازنة . كما أنها تهب القوة والمنطق لتأملاته فيما وراء العقل والشعور في بحثه عن الغامض وحقائق الوجود، وتدفع سعيه الحثيث للتوحد في الأنموذج الذاتي بقناعاته الحميمة والتباساته الخاصة, كما تمنحه المتعة والحيوية والحالات الانفعالية الضرورية اللازمة لحياة قوية مليئة ومركزة في بيئته المحيطة، فهي بذلك تهب المنطق البديع لإرادته الحرة وسط الآلية التي تسود يومه العادي.
أيضاً معالجات ثقافة الشايقية التفسيرية القياسية القيمية لكل مفردة طبيعية معبر عنها وحدوياً، مما يعنى الانسجام واليقينية بضرورة وقانونية القيمة، وضرورة اللامنطقية، وضرورة عبثية القانون الطبيعي نفسه، وأن الموضوعي الخارجي موجود .. هكذا .. مفسر ذاتياً، لا نشاز أو انفصام فيه.
هناك تطابقاً ليس عرضياً بأيه حال بين الشايقية والجمال والطبيعة، على افتراض أن إنسان الشمال كذات منفعلة وفاعلة يظل أبداً مشدوداً إلى رصيد وجداني هائل ورصيد معرفي وارث حضاري وتاريخي حيوي, وعلى افتراض أن ثقافة الشايقية كتعبير وتفسير تؤسس لتمثيل بديع لشيء ليس بالضرورة أن يكون بديعاً، أو موضع إدراك أو قبول لدى كثير من الثقافات، فقد استطاع الشايقية أن يدخلوا الظواهر في اسلوب تم ابتداعه للتفسير، لاستنباط رؤى وعلة، واستيلاد التأكيد كمعنى ومغذي وقيمة للوجود، وكتبرير لجدلية الصراع والحوار والمواجهة، كنسق عام لإدارة الحياة، وكصيغة لتحقيق نتائج على المستوى الكلي للمحصلة النهائية, بذلك يكون الشايقية قد تجاوزوا الكثير من الثقافات عندما استصحبوا في حراكهم التاريخي اسلوب تأويلي بديع وخلاق للتفسير والتعبير والمواجهة، استطاع أن يتحمل مسئولية خدمة المقابل الثقافي، ليس للتوصيف والبيان واستيفاء الشرط الوظيفي فقط، ولكن استيفاءاً للغرض الجمالي أيضاً.
يمكن القول أن الشايقية يقفون في ذلك الجزء الموازي من العالم الذي يصعب فهمه أو تفسيره إلا بالخروج إلى ما وراء التأمل والعقل وحقائق الوجود، وكأن وجودهم يتأكد في ذلك الجزء المفعم الغامض، فيما وراء الخير والشر، حيث لا ثابت في التمام ولا متناه في الجمال.
وكأن ثقافة الشايقية تعجلت لتخلص نفسها، فتخطت إنسانها منذ العصور المروية، وتوقفت هناك بغير زي، في تمام كمالها، في انتظار جمهورها الذي ما زال يعاني عثراته وطموحاته، وتمنعه انتكاساته وأوهامه من الإمساك بجوهرها، وكأنها في انتظار إنسان أكثر تحرراً وأكثر تطلعاً لزمن أرقى من التطور الذي نعيشه.
صلاح هاشم السعيد
________________________________________
إجراء تفسيري ــ دفاعاً عن ثقافة الشايقية ـ
مدخل لفهم ثقافة الشايقية
مسألة الدفاع عن ثقافة الشايقية، تكتسب أهمية من كونها معبرة بشدة عن حضارة "لا إعتماداً على جمالها الشكلي". على اعتبار أنها ليست مجرد حالة من انتظام الوعي، أو مجرد التقاء عفوي لتشكيل ذاكرة عامة، أو إحداث معادل وصفي لتفسير أعمق لمسألة المكانية والظرفية التاريخية، ولا حتى من كونها محاولة للوصول إلى نوع من الإدراك للمعقولية الإنسانية . لكن في تقديري أنه بشيء من الحذر والتأني يمكن القول أن ثقافة الشايقية أخذت أهميتها وأبعادها الكلية من إمساكها وارتباطها العميق والوثيق بجوهرها الحضاري الحي النابض الثمين. الأمر الذي أتاح لها صيغ حضارية متفردة ظلت تمكنها على مدى العصور من التأسيس لشكل من أشكال صياغة الوجود. فالحضارة ليست اجتراء نظري على الواقع، فهي على المستوى العملي، فعل وتفسير مادي وتحقيق ارضي واقعي ملموس للمشروع الثقافي نفسه. أيضاً أعتقد أن هذه الثقافة ظلت تكتسب مشروعيتها وأهميتها من حيث شعورها بتعقيدات الحياة الواقعية، ومن حيث اعتمادها التأويل عند التفسير، ومن حيث اعتمادها السيطرة في ممارسة مسئوليتها على حركية التدافع والاحتكاك، وعند خروجها على بنائها وعلي الآخر لفرض وصياتها على منعطف التاريخ.
والحديث عن ثقافة الشايقية ليس حديثاً خارجياً ـ بمعنى أنها كثقافة لا تكتمل إلا فينا، وكيفية وجودها ليست مسئولة عن كيفية رؤيتنا لها، وإنما ذلك راجع إلى زاوية المنظر وأساليب المعالجات والالتفاتات والتفاسير، فالمسئولية تاريخية وذاتية مباشرة عن تفسيرنا لمحمولنا الثقافي, وحسب ظني أن هذا لا يعفي الثقافة باعتبارها أيضاً موضوعاً قابلاً للتفسير.
خاطئ من ظن أن ثقافة الشايقية لا تدين بشيء لطبيعتنا البشرية، فهي ليست ما هي عليه إلا بنا. باعتبار أنها في كلياتها ومنتهاها إبداعاً ذاتياً لم تقدم له الطبيعة إلا عناصره وباعتبار أننا كمعالج خلاق أكثر من مجرد وعاء للمحمول الثقافي وناقل محوري في التداول والتوارث الثقافي.. ولا ننسى أن الشايقي نفسه هو المنفذ والمعبر عن هذه الثقافة على المستوى العملي, والمحقق لها على أرض الواقع. لذا عند محاولة فهم ثقافة الشايقية علينا النظر إلى أنفسنا باعتبار أننا موضوعاً ذاتياً ومحورياً للتفسير..
قد تفشل محاولة التمييز بين العناصر الوظيفية والجمالية لثقافة الشايقية، فهي كثقافة تحمل في داخلها مساحة لإنسانها، تحمي كيانه وتدافع عن وجوده. أيضاً الشمال استولد أساليب خاصة وأشكال تعبيرية متنوعة كأنساق جمالية متفردة تميزها خصوصية المنطقة وجغرافيا التكوينات المعرفية والجمالية الدالة على ذات الثقافة. هذه الأنساق "كتعبير" اتخذت من حميمية التوصيف كرامز لاشتهاءات إنسان الشمال الجامح المتأجج الرغبات، ذلك العاشق المفتون بحب الطبيعة والحياة. كما أنها ظلت أبداً ترمز للهوية الثقافية وتؤكد على مشروعية الرغبات الذاتية والفردية في التحقق والتوازن ما بين التوحد والانفلات.
لقد أوجدت ثقافة الشايقية لنفسها مساحات تعبيرية واسعة للتوازن والتصالح، أيضاً للتأقلم والقبول، ومساحات للتناغم والحوار مع معطيات وثنائية الطبيعة "السهل والصحراء" لذا قد يصعب أيضاً الفصل في علاقة هذه الثقافة بالطبيعة.
والمدهش حقاً هذا التناسق والتوازن ما بين "الموضوعي الخارجي" وبين ما يمكن تعريفه "بالذائقة المذاجية عند الشايقي" على المستويين الفردي والجمعي. وهنا يبدو وكأن دور الثقافة ينتفي ويتلاشى ويقتصر في اللاوعي على التنظيم كوسيط محايد ليأخذ الفرد ملامحه التي تخصه، فلا يكون هناك أي إقحام أو زج قسري لأي مفردة ما لم تتطابق وتتوازن في مدلولها النفسي والوجداني مع الذات المفردة المتفردة الحرة، في بحثها عن صيغ ومضامين خاصة في الإطار الأخلاقي المرموز له في السلوك الجماعي. أي بمعنى أن ثقافة الشايقية تخرج لتستعير المزاج الشخصي لإنسانها، لتحقق تجانساً طوعياً بين نشاطه العاطفي وانسجامه الحسي وتؤكد الحق المطلق في الإيقاع الحر المنتظم "كحالة عليا من النظام" لحياة مفردة سوية ومتوازنة . كما أنها تهب القوة والمنطق لتأملاته فيما وراء العقل والشعور في بحثه عن الغامض وحقائق الوجود، وتدفع سعيه الحثيث للتوحد في الأنموذج الذاتي بقناعاته الحميمة والتباساته الخاصة, كما تمنحه المتعة والحيوية والحالات الانفعالية الضرورية اللازمة لحياة قوية مليئة ومركزة في بيئته المحيطة، فهي بذلك تهب المنطق البديع لإرادته الحرة وسط الآلية التي تسود يومه العادي.
أيضاً معالجات ثقافة الشايقية التفسيرية القياسية القيمية لكل مفردة طبيعية معبر عنها وحدوياً، مما يعنى الانسجام واليقينية بضرورة وقانونية القيمة، وضرورة اللامنطقية، وضرورة عبثية القانون الطبيعي نفسه، وأن الموضوعي الخارجي موجود .. هكذا .. مفسر ذاتياً، لا نشاز أو انفصام فيه.
هناك تطابقاً ليس عرضياً بأيه حال بين الشايقية والجمال والطبيعة، على افتراض أن إنسان الشمال كذات منفعلة وفاعلة يظل أبداً مشدوداً إلى رصيد وجداني هائل ورصيد معرفي وارث حضاري وتاريخي حيوي, وعلى افتراض أن ثقافة الشايقية كتعبير وتفسير تؤسس لتمثيل بديع لشيء ليس بالضرورة أن يكون بديعاً، أو موضع إدراك أو قبول لدى كثير من الثقافات، فقد استطاع الشايقية أن يدخلوا الظواهر في اسلوب تم ابتداعه للتفسير، لاستنباط رؤى وعلة، واستيلاد التأكيد كمعنى ومغذي وقيمة للوجود، وكتبرير لجدلية الصراع والحوار والمواجهة، كنسق عام لإدارة الحياة، وكصيغة لتحقيق نتائج على المستوى الكلي للمحصلة النهائية, بذلك يكون الشايقية قد تجاوزوا الكثير من الثقافات عندما استصحبوا في حراكهم التاريخي اسلوب تأويلي بديع وخلاق للتفسير والتعبير والمواجهة، استطاع أن يتحمل مسئولية خدمة المقابل الثقافي، ليس للتوصيف والبيان واستيفاء الشرط الوظيفي فقط، ولكن استيفاءاً للغرض الجمالي أيضاً.
يمكن القول أن الشايقية يقفون في ذلك الجزء الموازي من العالم الذي يصعب فهمه أو تفسيره إلا بالخروج إلى ما وراء التأمل والعقل وحقائق الوجود، وكأن وجودهم يتأكد في ذلك الجزء المفعم الغامض، فيما وراء الخير والشر، حيث لا ثابت في التمام ولا متناه في الجمال.
وكأن ثقافة الشايقية تعجلت لتخلص نفسها، فتخطت إنسانها منذ العصور المروية، وتوقفت هناك بغير زي، في تمام كمالها، في انتظار جمهورها الذي ما زال يعاني عثراته وطموحاته، وتمنعه انتكاساته وأوهامه من الإمساك بجوهرها، وكأنها في انتظار إنسان أكثر تحرراً وأكثر تطلعاً لزمن أرقى من التطور الذي نعيشه.
صلاح هاشم السعيد