المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العتالة في عصر الفتوات وسلطة الهامش


صلاح هاشم السعيد
10-29-2007, 10:22 AM
كاتب النص الأصلي : صلاح هاشم السعيد______________________________________

العــتالة
العتالة في عصر الفتوات وسلطة الهامش .. !!
العتالة كمصدر للقوة والسلطة وكمسألة مؤجلة على قيد الكتابة، تحتل مكاناً حميماً في نفسي. خصوصاً بعد ترنح العمر وتحولات الجسد وإنهدامه أمام ضربات الزمن المتواصلة. والمشكلة عندي، أن ترافق ذلك مع نزوعي إلى المزيد من القوة والرغبة في الحياة، وإن ابتعدتُ عن ذلك بمقدار الإحداث أو التحقق. وهنا لا أعني العِتالة في المدن، حيث تتراجع القيم والتقاليد والأعراف، وتنهزم القوة الفردية أمام القوانين المقيدة والمحاكم وبين جدران السجون، وإنما اعنيها في الأماكن البعيدة عن سطوة المركز، خصوصاً عند أهلنا الشايقية حيث أوتاد الروح و(بربندي) الذاكرة.
وفي الحقيقة الشايقية يفكرون ويتصرفون ويواجهون الحياة بطرق مختلفة ومغايرة، لذا خرجت العتالة عندهم من عباءة الجسد المدفوع بقوة إلى ذروة أدائه الأقصى، لكي تتمايز كرديف للعرف، وكمهنة لفارس ومُخلص، يحمل حضوره الشجاع مفاهيم السطوة والقوة العادلة. كما أنها دخلت في هم العشيرة، كحارس يقين أمين يلوح عند المفارقة والاختصام، ليحقق الانفعال المطلوب على المستوى العملي وفق إغراءات اللحظة.
كذلك الغياب المستدام لدولة القانون "منذ الاستقلال" لا يمكن تجاهله في ظل القومية والتعددية، خصوصاً بعد انهدام النظام الأهلي كخطاب سلطوي, تعارفت عليه وارتضته القبائل كمرجعية قانونية احتكمت للأعراف واعتمدت التقاليد والمعرفة اللصيقة والوثيقة بالمنطقة وأهلها. هذا التجاهل والتهميش من المركز أحدث نوعاً من الخلل بالتوازن الأمني وأورث إحتمالات الخطر والتعرض للظلم، في حين أن الصراعات التاريخية الطويلة بالمنطقة تؤكد وتؤمن على منطق العنف وثقافة القوة.
لقد أعادت العتالة تعريف ذاتها في ظل الالتباس والخوف وانعدام الأمن، كإمكانية للتجلي المفرد في صيغة الجمع، وكتغبير مادي له ما يبرره، وله وظائفه وشروطه الاجتماعية كقوى موازية على مستوى السلطوي والعرفي، وله مدلوله الاجتماعي المتشابك والمتحول والمنفذ لانعكاسات ونداءات الجمعي في السلوك الجسدي العنيف. لذا لا أرى إية إمكانية لتجاهلها أو تجاوزها، فهي في حاجة إلى المزيد من الفهم والتفسير، وإلى مناقشات جديدة لمعطياتها التي تؤكد على مسلكها وانتمائها الاجتماعي، من مبدأ الحفاظ على مفاهيمها السامية كقوى فاعلة ذات قدرات متجددة ومتحورة، قد يصعب إدراكها أو احتوائها في اوقات الانسحاق والأزمات والتمزق. خصوصاً وأنها في كل قسماتها وملامحها منحازة للعشيرة والعرف، وضد القهر والخوف والطلم والاستبداد.
أيضاً نلاحظ أنه كنوع من الترافق، وكاتفاق ضمني بين (العتال والجمهور) وكنوع من التواطؤ غير المعلن بين الطرفين، يتجاوب الوجدان الجامع إلى حد الإستيهام والانشغال بإنتاج وتغذية صورة للمتخيل الواقعي، في استسلام مشروط وآسر، للإحتفاء وتعديل صورة الفارس المنقذ المتمترس "كمنتج للحدث" في جاهزيته للتأويل والتحوير والإضافة أثناء عملية التداول، باعتبار أن ذلك ضرورة لازمة للاحتماء وإرهاب المتعدي الافتراضي المتربص، وحتى "العتال" نفسه كمنتج للحدث وكمعني في هذا الصدد، غالباً ما يسعى إلى السلوك غير المألوف الاتباعي لتأكيد انتقائه واصطفائه وتفرده.
نقول أن ضعف فاعلية الأجهزة المدنية في حل الأزمات وتصفية الخلافات بين الأفراد والجماعات، خلق فراغاً لا تملؤه إلا القوة الموازية الوحيدة الموجودة بالمنطقة، وهي في هذه الحالة القوة الجسدية المجردة. وهي كقوى فاعلة على المستوى الاجتماعي اكتسبت مشروعيتها ومبرراتها من العطب المدني ومن الحضور السلبي والعطالة المزمنة لأجهزته الفنية، ومن انتقائية استحضار الذاكرة لمفاهيم الفارس النبيل الذي يتحرك بعفوية وتلقائية لفض النزاعات والاشتباكات وفق مقتضيات الحال، مستنداً في مرجعيته العامة على مفاهيم الشجاعة والمروءة، واحياناً مفاهيم الغزو والاعتداء.
ونقول أن الورطة الحقيقية، في سعي المركز الدائم لإظهار اهتمامه الصفوي بـ"المتخيل المحل" في إشارة صريحة وفاضحة للاستراتيجيات المنظمة للهويات الذاتية. وفي النظرة الفوقية الضيقة للريف كهدف بارز للتحليل والتنظيم السهل والسيطرة. كذلك إشكالية السرد العلاجية المركزية للمعضلات الاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية، تتأتى بوضع الدعوات بالعمل المفاجئ في غير سياقه الصحيح.
وفي السعي لإحداث تعييرات سريعة وحاسمة في أغراض تنظيم وطرح المفاهيم التي تسلط على المستويات المحلية، وكأن مناطق الشايقية بكل تراثها وتاريخها وإرثها، وبكل أبعادها المكانية والزمانية، ليست سوى فضاءات مجردة مفرغة ومنتزعة الهوية، وحتى اشكال البحث المركزية لاحتمالات التغيير تسعى لإعطاء مدلول للمشاكل الحالية بتأويلها على ضوء مرات التجارب والفشل السابقة. لتكرر بذلك نفس الخطأ الممل بالقفز فوق البنائية الثقافية القائمة وتجاوز النظامية الاجتماعية المعقدة, ودون كبير اكتراث أو سابق معرفة بالتماسك المنظم تنظيماً عالياً ودقيقاً، عبر ترابطات وموروثات ثقافية عميقة الجذور، ومواتية للمعطيات المحلية. هذا الوضع يمثل مأزقاً صعباً وحقيقياً بشأن التبادل بين الحفاظ على الاستقلال المحلي وقبول المعالجات والموارد المركزية التي غالباً ما تأتي ومعها القيود والمشاكل وسوء الفهم..
فلا عجب إذن في أن تبحث الذهية المحلية عن بدائل متعدية ومرواغة، تسعى لتنظيم السلوك البشري وفق التقاليد والمعطيات البيئية والهويات المحلية، بدائل تُقلب من الداخل إلى الخارج، وتُسند في مجملها لمرجعية السيرةالذاتية، وتُعزز بالوحدة العشائرية والقدرات الفردية والجمعية. ولا غرابة في أن يتفتق هذا الاتجاه عن بناء للهامش السلطوي، وعن نسق من التكتل الجمعي في ما يمكن تسميته بـ"سلطة الظل" بقصد الإلتفاف على أهمية القومية والمواضع المركزية كنسق إجمالي يكون دون الدولة ومتعدى معاً لمسألة القومية والدولة نفسها.. ولا غرابة في أن تخرج العتالة من سياقها المرصود، كتعديل وفق القانونية المغايرة لمنهجية هذا النسق، ولإحتمالات امتلاكه وتنظيمه وإعادة هيكلته وتقييمه وتأويله، في صورته النهائية المتواصلة الممتدة....

صلاح هاشم السعيد


هل للعتالة في السودان تاريخ موثق مكتوب... !!
لا أعرف تواريخ محددة لنشأة العتالة وتطورها. ولا أدري إن كانت الرسومات والنقوش الفرعونية المروية قد اشارت اليها, ولا أدري إن كانت بدايتها بالحمالين لمتاع الملوك الفراعنة والحاشية في رحلاتهم الطويلة أم بحمل الملوك الفراعنة أنفسهم وهم يجلسون فوق محافتهم الملكية الجميلة, أو إن كان ذلك قد بدأ بنقل الأحجار والصخور الضخمة عند بناء المعابد وتشييد الإهرامات. وقد يكون دخولها إلى السودان بحمل متاع الرحالة المستكشفين الأوائل خصوصاً في مناطق السافنا والجبال الوعرة والغابات الكثيفة. وقد يكون أول ظهور لها مع الحملات العسكرية بحمل متاع الجنود والفرسان. أما في منطقتي البركل وكريمة فغالباً ما تكون قد أخذت شكلها النهائي المتعارف عليه الآن ذو "العائد المادي" بعد ازدهار النشاط التجاري وظهور البواخر النيلية والمراكب التجارية،وبعد وصول القطار وباخرة كريمة دنقلا.
العتالة في كريمة والبركل:
العتالة عندنا تنقسم إلى أثنين "العربجية" و"البرداسة" (العربجية يعملون على عربات الكارو وأما البرداسة فهم عمال الشحن والتفريغ) أيضاً الكثير منا يذكر أن السكة حديد بكريمة كانت تختار لقطارات الركاب عدد من العتالة المعروفين المؤتمنين من خارج الهيئة، للمساعدة في ترحيل أمتعة المسافرين من المحطة إلى مرسى النقل النهري. ويمكن للمسافر التعرف عليهم بعلامة السكة حديد "S.R" التي تميزهم في أعلى الذراع. أيضاً كان للعتالة في السكة حديد مجموعات تسمى "كلات" لشحن وتفريغ عربات البضائع، وكانت لهم أغانيهم و"جلالاتهم" الخاصة التي تساعدهم على العمل.
كذلك من المعتاد أن يكون لكل "تاجر جُملة" بسوق كريمة عدد من العتالة يستلمون مفاتيح المخازن ويقومون بالشحن والتفريغ، لذلك نجد العتّالة على معرفة تامة بأخبار السوق واسراره وقد تحول بعضهم إلى العمل التجاري.
أيضاً عربات كارو الحصان في مناطق الشمالية، خصوصاً الزراعية منها، تجهز بعجلين فقط ـ على خلاف كارو المدينة المجهز بأربعة عجلات ـ وذلك لضيق الطرق ووعورتها واعتراض الكثير منها بالجداول.
لقد انخفض عدد كارو الحصان بشكل ملحوظ في كريمة والبركل وظهرت كارو الحمير في بداية الثمانينيات، نسبة لتدهور التجارة، وظهور "اللواري" كبديل ومنافس قوي للسكة حديد، ذلك لأن اللواري تستطيع الوصول إلى أبواب المخازن المعنية دون وسيط، فهي بذلك لا تحتاج لغير "البرداسة" هذا بالإضافة إلى التكلفة العالية لتغذية ورعاية الحصان.
وكارو الحمار غالباً ما تعمل في ترحيل الركاب ونقل البضائع الصغيرة والمحمولات الخفيفة والأعمال الخدمية الأخرى داخل المنطقة. وهناك ما يسمى بـ"كارو ملاكي" يعمل لمصلحة صاحبه فقط.

مسميات كارو الحصان الخشبية، نورد منها: ـ

ـ العريش: عرقين من الخشب القوي ينتهيان بشناكل على جانبي الكارو وتكون الطبلية بينهما.
ـ الطبلية: تركب بين العريش لوضع البضائع فوقها وهي من الخشب أيضاً.
ـ الشناكل : من الحديد وتكون في مقدمة العريش.
ـ الرقبية : تُدخل في عنق الحصان وهي من جلد محشو بالصوف، بداخله سيخ ملفوف على شكل دائرة وتحتوي على شنكلين.
ـ اللبد: ومفردها "لبدة" يوضع منها على ظهر الحصان مباشرة واحدة أو إثنتان أو ثلاثة حسب سُمكها، وعادة ما تكون محشوة بصوف الحيوانات.
ـ السرج : من الحديد المبطن بالخشب ويوضع فوق اللبد مباشرة، به مساورتين يمر خلالهما الجنزير.
ـ الجنزير : يمر خلال المساورتين الملتحمتين بالسرج وينتهي بحلقتين يدخل فيهما شنكلي العريش وتكون حمولة الكارو ووزنها على هذا الجنزير. وهنالك جنزيران آخران يمتدان ما بين شنكلي الرقبية وجنزير السرج.
ـ الكرسي : من الحديد وعادة ما يكون من "الزوي" القوي، يوضع عليه الطبلية والعريش ويلتحم بالدنقل.
ـ الدِنقِل : يمتد بين عجلي الحديد.
ـ العجل : عجل حديد عربات سفنجة مقاس (650×16)
الهُوبات : بي الدنقل وعجل الحديد.
اللِجام : وهو من الحديد يوضع على فك الحصان لضبط حركته ومنه :
1/ اللجام المصري: يستورد من مصر ويستخدم للحصان.
2/ اللجام الحدادي : يصنعه الحدادون ويستخدم للحمير وتكون به قطعة بارزة تضغط الحمار في فكه الأسفل عند شد السرع.
ـ السُرُعْ : حبل يرتبط بجانبي اللجام. يمسك به العربحي لضبط حركة الحصان.
ـ السترة : قطعتان من الجلد تثبتان بمحاذاة عيني الحصان "الخواف" لمنعه من الرؤية الجانبية والحركة المفاجئة.
ـ الخشّام : حبل يربط في فك الحمار أو الحصان ويطلق عليه أيضاً اسم الصريمة
ـ الصريمة: سيور من الجلد متعارضة ومتشابكة, توضع في وجه الحصان، وتتصل بالسرع.
ـ الجرس : جرس صغير يتدلى على رأس الحصان من الامام لزيادة السرعة وإحداث حركة وصوت متناغم.
ـ العَبْل : ضفائر من الصوف "التريكو" الملون توضع على رأس الحصان للزينة.
ـ الحجاب : يعلق على رقبة الحصان.
البَطَّان : عادة ما يكون من الجلد ويلتف حول البطن ويتصل بطرفي السرج لمنع الكارو من الانقلاب .
ـ الحدوة : نصف دائرة من الحديد تثبت بمسامير في الحافر لمنع التآكل.
ـ الكرباج أو السوط : سير من الجلد أو سوط العنج الذي يمسح بالقطران لمنع تكسره وليكون طرياً وليناً.
ـ البربندي : نوع من أوتاد الحديد ينتهي متسديرة.
ـ المراح : مكان تغذية ومبيت الحصان.
ـ الخرتاية أو الملاخية : كيس صغير من الخيش يعلق على رأس يعلق على رأس الحصان وتوضع به العَلِيقة.
ـ العليقة : غالباً ما تكون من (الفيتريته ، الدخن، الأمباز، الصيص، الكرموش والتمر أحياناً).
ـ النمرة : للكارو نمرة تستخرج من المجلس البلدي.
ـ تشلع: إنكفاء الكار إلى الوراء نسبة لإختلال التوازن.
ـ الدَبّر : قروح في ظهر الحصان من أثر السرج.
ـ القناقريش : التهاب بانف الحصان ويعالج بكيه بالنار.
العربجية يهتمون إهتماماً بالغاً بتغذة الحصان، ونظافته وحمامه اليومي، كما يهتمون بعربة الكارو نفسها وتشحيمها وصيانتها.
صلاح هاشم السعيد

عمر مجذوب خطيب
10-30-2007, 11:06 PM
عزيزي صلاح - التأريخ لمهنة العتالة في المنطقة والسودان يقود بالضرورة الى تقسيم العمل كحاجة اجتماعية يلجأ اليها الناس تلقائيا في سياق استجابتهم لتحديات العيش والمعاش، والعتالة بدات عندما عرف الانسان كيف يبني بيته وكيف يزرع الارض ويجني ثمارها - والعتالة عبرت من الخاص الى العام اتساقا مع توسع التجمعات الانسانية قرى وبلدات ومدن وما تبع ذلك من تقسيم للعمل والادوار ثم ظهور النقود واندثار نظام المقايضة - فبات للذراع والظهر ثمنهما.

نعم للعتالة ثقافتها وتصوراتها لا سيما في المجتمعات الصغيرة التي تمجد العضل وتقدس القوة بدليل المكانة التي تحتلها قصص العتالة في ذاكرة السكان - اما استجابة هذا العتالي او ذاك لهذه التصورات والمكانة فتفاوتت - اغلبهم اعتبر المهنة فكاكا من قيود القيم - فكانوا لا يستحون من عب الخمر وعلى الملأ وافتعال المشاكل في بيوت الاعراس( فرتكة الحفلات) والتحدث بصوت عال في اوضاع ومواقف لا تتطلب ذلك - وهم اذ يفعلون ذلك يظلون حديث المجتمع ومصدر الهام لشباب يتركون المدارس ليلتحقوا بهذا العالم المتمرد مظهرا والمأزوم باطنا.

البعض الاخر وظف قوته في خير الناس - يتدخلون لنصرة المظلم وتأديب من يتجاوزون الحدود - وتوظيف طاقتهم الجسمانية في اعمال النفير وغير ذلك.

كان جدي جعفر ود مصطفى متعهد نقليات في مديرية مروي ينقل على ظهر الجمال كل متعلقات المديرية الى جانب عمله في سوق كريمة، وكان يوظف شباب اسرته الاقربين - وقد رويت عنهم كثير من القصص مصدرها الوحيد الافتتان بالمهنة والقوة الجسمانية.

انتهت الكاروهات العملاقة وحلت كاروهات الحمير وهذه ايضا اضمحلت لصالح رقشات تنقل كل شي حتى العرقي
شكري