المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حباً في الطيب صالح في مرضه (دراسة نقدية)


صلاح هاشم السعيد
10-06-2007, 08:40 PM
08-08-2007, 01:39 PM
صلاح هاشم السعيد
Senior Member تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 227

حباً في الطيب صالح في مرضه (دراسة نقدية)

--------------------------------------------------------------------------------

المحلية في أدب الطيب صالح:

من رحم ثقافة محلية شديدة التميز ـ متواضع إلى حد الإكتمال ـ جاء كالبدء في عفويته وبكارته وطزاجته الأولى. الطيب صالح (إبن بيئته) ما يميزه عن غيره هو ذلك الاتحاد التام بينه وبين مشروعه، فمعظم رواياته تأتلف مع السياق الموضوعي للأشياء. كأنما يسكب روحه ويبعثر تاريخه ويؤسس بوعي لخلق عالم مثقل بتفاصيل أنتمائة الدقيق، كأنما سبق وأن عاش مشروعة بوعي تشكل خارج الكتابة. كأنما يخرج مثقلاً إلى وعيه المفرط ليطهر ذاته بالإنتماء إلى الحدود المتعارضة في مشروعه لإنجاز عمل يتجاوز الرؤية العابرة....
الرواية عنده أهزوجة ابدية وإحتفائية مليئة بالتضاد والعلائق المتناقضة. كما يسيطر المكان على مجمل النص ويتمسك بشخوصه كـ(وحدة) مرتبطة بميراثها علي مستوي المرجعيه الحضاريه والوجدانيه.. حتى يبدو وكأن شخصياته الروائية لا تنفلت ولا تتحرر إلا تماشياً مع متطلبات ومجريات النص. روايات الطيب صالح شديدة الخصوصية وشديدة المحلية (كأنما يحرر نفسه من طابع المحلية بالإغراق في ذات المحلية). في نثره السارد بكائية لـ(موت دنيا) غير معلن.. بعد أن تم أُنهاكها وانتُهِاكّها بالتدخل في تراكيبها الأساسية ومنجزاتها الحقيقية حتى اكتمل تجاوز مجمل معطياتها ودفع بها إلى إمتحان أقصى الإمكان بالمتطلبات والأطماع اللانهائية.. وبعد أن أُفرِط في تنحية مجتمعاتها الأصيلة ذات الخصوصية التي استولدت ثقافات على مدى قرون طويلة لتمنح الوعي أفقه الخاص ومساحته غير المنظورة ثقافة فتحت أبوابا غير مرئية، يتصاعد من ناحيتها التاريخ والمعنى والقبول داخلياً وخارجياً.. الطيب صالح جاء قروياً من أقصى الشمال ممتلئاً بثقافة أخذت أهميتها وأبعادها الكلية من إمساكها وارتباطها العميق والوثيق بجوهرها الحضاري الحي النابض الثمين. جاء ليصهر المدرك من المعاني، ليتهم ويدين العبث الذي ولد إحساساً بالعجز والضعف أمام الحياة ووضع اساساً للشك وعدم اليقين في الآتي من المستقبل. الطيب ود صالح ضد هذا الراهن الملتبس الذي يعاني من جوع وفقر ثقافي وسيولة فكرية ومن اغتراب وانفلات. كتب عن عبقرية المكان في قرى نائية وعن عبقرية قروي مغرم محمول على ثقافة ذات أبعاد حضارية درجت على تقبل الحياة (بما هي عليه) وتواضعت على التعامل مع محيطها دون تدخل مخل بالتوازن والنسق العام.
في (موسم الهجرة إلى الشمال) عمد الطيب صالح إلى تصوير التقابل بين الحضارتين (السودانية والانجليزية) ليحقق متعة التمايز مضيفاً إلي كل منهما عناصره ومأثوراته وتقاليده. كما أن تراجيدية العمل ومأساته وإرتباط (مصطفي سعيد) بالمأزق الوجودي للإنسان ككل، منح الرواية واقعيتها وعالميتها.. ذلك المأزق الحقيقي الذي يبدأ بإعلان موعد مع الموت بعد تورطنا مع الحياة منذ صرخة المهد الأولى.. وأفضل من عبر عن ذلك هم الوجوديون. فقد كتب احدهم، (أظنه جان بول سارتر في عمله "لا مخرج") إذ قال : (لا مخرج من أمام ولا من خلف ولا من يمين أو يسار ولا من فوق أو تحت) وفي رواية (موسم الهجرة للشمال) يقدم الطيب صالح شخصية مصطفي سعيد كنموذج خاص ومختلف (لامنتمي) على رأي الكاتب البريطاني كولن ويلسون الذي أحدث ضجه في ستينيات القرن الماضي عندما نشر كتابه الشهير (اللامنتمي) وفي موسم الهجرة إلى الشمال لا يحيلنا المؤلف إلى الإنتماء بمعناه المكاني أو السياسي (كما يرى البعض) وإنما قصد عدم الإنتماء للحياة في ذاتها. فالشخصية المحورية في الرواية (مصطفي سعيد) غريبة على هذا العالم تجاوزت الاحساس المباشر بالأشياء وتجاوزت المشاعر القوية كالحب الشديد والحزن الشديد.. فعندما وصل نبأ وفاة والدته لم يحزن ولم يدمع ولكن حين تذكر ذلك بكى بكاءاً مراً، ليس لموتها وإنما لإكتشافه غرابته ولا إنتمائه.. ومأساة مصطفي سعيد تكمن في ما يمكن تسميته بـ(حيادية المشاعر تجاه العالم الحقيقي) على إفتراض أن "الوجود الواقع نفسه مشوش وغير أصيل". ومأساة الرواية أن مصطفى سعيد شخصياته متعددة استنفذت المستقبل كله فلم يعد يطلب شيئاً أو ينتظر شيئاً، جلب الدمار أينما حل. يأخذ النساء عالياً إلى سعادة جارحة ومدمرة وكأنه حضوره نوع من الجنة في أصل الجحيم. كما أنه يظل في معظم فصول الرواية ملتصقاً بوجه الموت إلى أن يأخذه النيل بلا رجعة (وأن ترك الكاتب النص مفتوحاً لإحتمالات اخري) كأنما يريد الكاتب أن يقول: مصطفي سعيد ما زال موجوداً بوجوه عدة. فقط إنظروا حولكم أو.. إلى أنفسكم..
ومصطفي سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال مثله مثل شخصية "بتجورين" كما يحلو للكتاب العرب أن يقولوا أو "بتّشورين" كما ينطق صحيحاً باللغة الروسية في رواية (بطل من هذا الزمان) لشاعر الديكابريين الروسي المعروف "ليرمنتوف". ولقد نشرت العديد من الدراسات في الأدب المقارن ما بين بتشورين ومصطفي سعيد.. منها رسالة الكامل لنيل شهادة الماجستير من جامعة لينينغراد.


صلاح هاشم
يتبع...

صلاح هاشم السعيد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى صلاح هاشم السعيد
البحث عن جميع مشاركات صلاح هاشم السعيد

#2 08-08-2007, 01:44 PM
صلاح هاشم السعيد
Senior Member تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 227

الأخوة الأعزاء:

--------------------------------------------------------------------------------

الأخوة الأعزاء :
رأيت أن أكتب هذه المحاولة بعد نشر أخونا عبدالله الطاهر خبر مرض الأديب السوداني الطيب صالح .. هزني الخبر خصوصاً أنه جاء بعد يوم من مشاهدة الإعادة للقاء الذي أجراه معه التلفزيون السوداني بمناسبة حضوره للمشاركة في برامج (السودان عاصمة للثقافة العربية) وكان أديبنا يبدو مجهداً أثناء اللقاء .. وفكرت ماذا لو فقدنا الطيب صالح وهو الذي حمل ثقافة الشمال إلى مصاف العالمية..
أخوتي : معذرة : أوجعني مرض الطيب صالح كثيراً فرأيت أن اكتب شيئاً عله يخفف من هذا الهم..
ـ فقدنا الكثير : على المك ـ صلاح أحمد ابراهيم ـ جمال محمد احمد ـ بروفيسر عبدالله الطيب ـ عون الشريف قاسم ..
ـ اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه :
ـ نسأله الشفاء العاجل لأديبنا الطيب صالح..

صلاح هاشم السعيد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى صلاح هاشم السعيد
البحث عن جميع مشاركات صلاح هاشم السعيد

#3 08-08-2007, 02:05 PM
صلاح هاشم السعيد
Senior Member تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 227



--------------------------------------------------------------------------------

معذرة بعد نقل الموضوع : وجدت رد أختنا رقيتون فرأيت أن أقتبسه في هذا الموقع:

الأخوة الأعزاء :
رأيت أن أكتب هذه المحاولة بعد نشر أخونا عبدالله الطاهر خبر مرض الأديب السوداني الطيب صالح .. هزني الخبر خصوصاً أنه جاء بعد يوم من مشاهدة الإعادة للقاء الذي أجراه معه التلفزيون السوداني بمناسبة حضوره للمشاركة في برامج (السودان عاصمة للثقافة العربية) وكان أديبنا يبدو أثناء اللقاء مجهداً.. وفكرت ماذا لو فقدنا الطيب صالح وهو الذي حمل ثقافة الشمال إلى مصاف العالمية..
أخوتي : معذرة : أوجعني مرض الطيب صالح كثيراً فرأيت أن اكتب شيئاً عله يخفف من هذا الهم..
ـ فقدنا الكثير : على المك ـ صلاح أحمد ابراهيم ـ جمال محمد احمد ـ بروفيسر عبدالله الطيب ـ عون الشريف قاسم ..
ـ اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف :
ـ نسأله الشفاء العاجل لأديبنا الطيب صالح..

كاتب النص الأصلي : رقيتون
وليدنا صلاح لاشك ان الاديب الطيب صالح هو مفخرة للشمال والسودان والوطن العربى
ماتتصورمدى كانت مفخرتى به عندما قابلتنى مصادفة امراة فرنسية وهى فى سن السبعين من العمر
وسالتنى ماهو الموطن فقلت لها السودان ابتسمت كل اساريرها وقالت لى لقد عرفت السودان من الاديب السودانى الرائع الطيب صالح اثناء مقابلتى له بباريس مع مجموعة من جنسيات عربية وفرنسية فسردت كثيرا من حديثه الممتع.
لقد حضرت مقابلته الاخيرة وانشاء الله ماتكون الاخيرة ربنا يمد فى ايامه وفعلا كان متعبا
اسال الله العلى القدير ان يشفيه بشفاء من عنده ويرفع عنه كل باس

صلاح هاشم السعيد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى صلاح هاشم السعيد
البحث عن جميع مشاركات صلاح هاشم السعيد

#4 08-09-2007, 06:21 AM
عبد الله إبراهيم الطاهر
Senior Member تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: Bahrain - Manama
المشاركات: 476




--------------------------------------------------------------------------------

الحبيب صلاح هاشم السعيد
تحية بطعم النيل ... وعبق الصباح في الشمال الحبيب

لك التحية وأنت تكتب عن الرائع الطيب صالح ...
في فترة مبكرة قرأت الطيب صالح وعدد مقدر من الدراسات النقدية التي كتبت عنه، وقد لفت إنتباهي وصف مصطفى سعيد كـ (لامنتمي) وتذكرت كتاب العزيز خالد موسى دفع الله (حالياً بالسسفارة السودانية بواشنطن) (اللامنتمي في أدب الطيب صالح)، وحضرت له أيضاً ندوة بمكتبة القبة الخضراء حول نفس الموضوع، ورد فعلي تجاه الكتاب وأفكار موسى خاصة وأنني كنت حينها معجباً أي إعجاب بالكاتب كولون ويلسون وكنت انتهيت تواً من قراءة كتابه (اللامنتمي)، لذلك لم يستثيرني تطبيق فكرة اللامنتمي على أدب الطيب صالح، وإن كنت أعجبت بكتاب خالد موسى.
من الدراسات التي أعجبتني وكنت حينها بثانوية كريمة كتاب (التحليل الفاعلي: تحليل الشخصية السودانية من خلال موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين) للأستاذ الشيخ محمد الشيخ الذي استطاع أن يقدم قراءة مميزة في أدب الطيب صالح، ومن شدة إعجابي بمنهجية التحليل لدى الشيخ والتي استنبطها من نظرية أسسها هو في الأحياء الرياضية - تمت مناقشة النظرية وإجازتها بمؤتمر دولي بسانتياغو - أصبحت
أطبق مفرداتها على دروس التاريخ بالصف الثاني الثانوي أثناء شرح الأستاذ وقد كتبت فيها ملحوظات كثيرة وقد ضاعت ضمن ما ضاع منذ حينها.
قلت:

اقتباس:
في (موسم الهجرة إلى الشمال) عمد الطيب صالح إلى تصوير التقابل بين الحضارتين (السودانية والانجليزية) ليحقق متعة التمايز مضيفاً إلي كل منهما عناصره ومأثوراته وتقاليده

يظهر التضاد بين الحضارتين (السودانية والإنجليزية) الذي عمد إلى تصويره الطيب صالح في كثير من مشاهد رواية (موسم الهجرة إلى الشمال) منها قول مصطفى سعيد: (جئتكم غازياً في عقر داركم قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ)، وعلى خلفية التحليل الفاعلي فإن المجتمع السوداني يقوم على بنية الوعي التناسلي والإنتصار والهزيمة في هذه البنية يعتمد على معايير جنسية بحتة (أنظر فضيحة حسنة بت محمود حينما قطعت .........)، لذلك يعتمد مصطفى سعيد على معايير بنيته في مواجهة الآخر الذي يقوم على بنية وعي اقتصادي الانتصار والهزيمة فيه تعتمد على الحركة الاقتصادية وليس على الهزيمة الجنسية (فيما معناه يقول مصطفى سعيد: كنت أتحدث في الشعر والفن والفلسفة حتى أدخل المرأة إلى فراشي ...).

الموضوعة الرئيسية للدراسة والمتعلقة بـ (المحلية في أدب الطيب صالح) أعتقد أنها واحدة من الموضوعات التي فعلاً تحتاج إلى بحث وتوضيح الأبعاد الحضارية للمحلية وكيفية نقلها إلى الخارج خاصة وأن كثيرين يعتقدون أن (مثلاً) فشل الدراما السودانية هو محليتها في حين أن الدراما المصرية أو السورية أو الخليجية ممعنة في محليتها ولكن من يقنع السودانيين بأن محليتهم يمكن لها أن تدخل قلوب وعقول الآخرين والدلالة على ذلك أدب الطيب صالح، الانفتاح على العالم الآخر لا يحتاج إلى تعديلات في لهجتنا ولا يحتاج إلى أن (نضاير) بعضاً من ممارساتنا أو تقديمها بشكل كاذب.
بالعكس تماماً يحتاج الناس إلى الأشياء المختلفة.
واصل سعيك عزيزي
فقد استمتعت كثيراً بهذه البداية وأعتقد أن ما بداخلك تجاه الموضوع فيه الكثير والكثير ...
لقد أعدتني إلى أيام جميلة مع أدب الطيب صالح ابتداءً من العام 1991م، لقد ضاع مني كل شئ يا سيدي والآن لم يتبقى لي شئ سوى نسخة مصورة لكتاب (التحليل الفاعلي)، وكثير من المشاهد والذكريات والتعليقات.

في انتظار البقية

احتراماتي
__________________
أ‡أ،أچأ‍أ*أ‍أ‰ أںأ،أ± أ،أ‡ أ*أٹأŒأ’أپ أ‌أںأ¤ أ‍أڈأ‘أ¥أ‡ أٹأ“أ،أ£
[أ£أڈأ¦أ¤أ‰ أ‡أ،أ£أ‘أ‡أ‍أˆ]

عبد الله إبراهيم الطاهر
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عبد الله إبراهيم الطاهر
البحث عن جميع مشاركات عبد الله إبراهيم الطاهر

#5 08-09-2007, 08:40 AM
عبد الله إبراهيم الطاهر
Senior Member تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: Bahrain - Manama
المشاركات: 476




--------------------------------------------------------------------------------

الحبيب صلاح هاشم السعيد
في نقاش ماسنجري مع القاص السوداني عبد الغني كرم الله المتواجد في قطر حول المحلية في أدب الطيب صالح وكنت قد أعطيته رابط هذا الموضوع فضمن ما قاله سأنقله هنا للفائدة العامة خاصة والرجل من أميز كتّاب القصة الشباب وقد صدرت له مجموعة (آلام ظهر حادة) وجدت رواجاً منقطع النظير، وقد دعوته للاشتراك في المنتدى وقد أجاب بالموافقة وقريباً سيكون بينكم، وسأورد له قصة من قصصه قبل دخوله إلينا.

أهلين العبد الله، ياخي كتابة جميلة، عارف الطيب صالح ده اعظم ما فيه، قدرته على تصوير المحلية، ونقيضها "الآخر"، زي نص المترجمة لليلى ابوعلاء، هل تعرف النص بتاعها مجرد مقارنة بين هنا وهناك، انت عارف مريود، وضوء البيت، وعرس الزين، وجزء من قصص دومة وحامد، زي نخلة على الجدول وحفنة تمر ودومة ودحامد، كلها قصصة محلية 100% بل يطغي عليها الحس الصوفي (لا اسميه واقعية سحرية)، هذه تربية صوفية، حيث الكرامات والمعجزات جزء من الثقافة السودانية، زي الشيخ الطيب البشير فطر عند 40 مريد في فطور واحد في رمضان، يعني الاستحالة جزء من نسيج الولي وسطوته، ما عارف مصطلح واقعية سحرية ده شنو، لأنو المعجزة في
في كرامات الاولياء في متناول اليد، جزء من عمق الحياة وسعتها، مش سحر، أو خرافة، وكلل قصص الطيب صالح مليئة بهذه الكرامات، زي عرس الزين، وخروج ضوء البيت، و الرؤية الشافها محميد وبكري وعشا البايتات، ما بتصور محتاجين لواقعية سحرية
فعلا، المحلية الاساس، بل الاحتفاء بها، وإدراك جوهرها، فالعلاقة مع التراب، ليس عرضية، بل الجسد مكون من التراب، والعلاقة جدلية، زي ما بقول ابن خلدون في المقدمة (ان شفاء الداء لا يأتي إلا بدواء من نفس البلد الذي قد منه الجسم)، ده على مستوى الجسد ام الروح فهي معطي من البيئة، عشان كدة الوطن لا يدرك ولا يعرف عظمته على الإطلاق، مهما كتب عنه، لا تستطيع، والذاكرة مهما كانت قوية، فهي تعرض صور شائهة، لا تمس جوهر التذكر، فالكتابة عن الوطن عن المحلية هي عبقرية اي كاتب.
هل تصدق احب الكتابة المحلية على كل المستويات، تيشكوف كاتب محلي روسي، نجيب كاتب محلي مصري، شارلز دكنز كاتب محلي انجليزي، وهكذا، حتى فوكنر وماركيز،
المسكين كان يردد دائما (لا جدوى من خداع النفس، ذالك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني)، والله مصطفى سعيد مسكين ضحية، ضحية عقله، وضحية سيرته، ووسامته، واختلاف البيئات، ياريت يجمع زي ما قلت بين (حسنات الغرب وحسنات الشرق)، و لكنه للاسف اكتوى (بسيئات الغرب وسيئات الشرق)، قشور هذه وقشور تلك، عنصرية الغرب، وجهل الشرق.

إنتهى كلام القاص عبد الغني

احتراماتي
__________________
أ‡أ،أچأ‍أ*أ‍أ‰ أںأ،أ± أ،أ‡ أ*أٹأŒأ’أپ أ‌أںأ¤ أ‍أڈأ‘أ¥أ‡ أٹأ“أ،أ£
[أ£أڈأ¦أ¤أ‰ أ‡أ،أ£أ‘أ‡أ‍أˆ]

عبد الله إبراهيم الطاهر
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عبد الله إبراهيم الطاهر
البحث عن جميع مشاركات عبد الله إبراهيم الطاهر

#6 08-09-2007, 04:26 PM
صلاح هاشم السعيد
Senior Member تاريخ التسجيل: Mar 2007
المشاركات: 227

أخونا عبدالله الطاهر

--------------------------------------------------------------------------------


أولاً أشكرك على هذه المداخلة القيمة وأعجبني كثيراً أن يداخلي شخص يحتوي على هذا القدر من الثقافة:
وأعتقد أن بيننا الكثير المشترك .
أشارتك لنظرية الفاعلية والتي قدمها الشيخ محمد الشيخ بدعم من المركز العالمي للفيزياء النظرية بايطاليا: قال فيها (الهدف الأساسي للتحليل الفاعلي هو الإرتقاء بفاعلية الإنسان إي بقدراته النفسية والحضارية ويتم ذلك عندما يتجاوز الإنسان حدود مهام وأغراض بنيتي الوعي البرجوازي والتناسلي، ويحقق بنية الوعي الخلاق). وقد سبق وان استشهدت بهذه الجزئية في المدخل لفهم ثقافة الشايقية ـ تنميط الجسد عند الشايقية ـ وتم نشرها في أحدى الدوريات التي تصدر من جامعة الخرطوم (إحدى تلك المجلات الثقافية التي تظهر فجأة ثم تختفي بعد عددها الخامس أو السادس) واعتقد أن الشيخ محمد الشيخ عندما اشار إلى بنيتي الوعي البرجوازي والتناسلي ـ قصد المعنى في حد ذاته في كلمة (تناسلي) بمعنى أنه لم يحتمى بالكلمة في إشارة لمقاصد اخرى. وحسب مداخلتك (وهي مداخلة تحتاج لوقفة وتفكير ولا يتستطيع الانسان أن يمر عليها مرور الكرام) وأظننا متفقان في أن بنيتي الوعي البرجوازي والتناسلي لم تتجاوزهما المنطقة حتى الآن.
معذرة أنا أكتب اليك في فترة ما بين الدوامين:
صحيح أن هناك بعض الاشارات في موسم الهجرة الي الشمال لما ذكرته فقد قال مصطفي سعيد : (أنه سيحرر افريقيا بـ....) وهذه المفاهيم يحملها الكثير من الأفارقة الذين عرفتهم في اوربا خصوصاً الشباب منهم ولكن سرعان ما يسقط فيهم هذا الـ(كازينوفا) المزعوم ويكتشفوا حجم هزيمتهم. فبينما كانوا منشغلين بنصب الشراك لهزيمة أوربا بالدخول عليها وغزو نسائها كانت المرأة الأوربية أيضاً تنصب الشراك وتخطط لإبتلاعهم، وما بين الدخول والابتلاع يسقط الجميع سقطة مضحكة في نفس الشرك.. صحيح أنه بعض علماء النفس وأظن أن (فرويد أحدهم) يرون أن كل صراعات الحياة، هدفها اللاوعي هو الجنس. ولا أظن أن رواية موسم الهجرة للشمال رمت إلى هذا المقصد فيما رمت إليه.. بالرغم من أن الرواية مليئة بالاشارات ولكنها لا تخل بالسياق العام للنص بإعتبار أنها ضرورة فرضتها ما ورائية الفعل..
الطيب صالح اسقط البطولة في مصطفى سعيد واشار إلى أنه (وهم وأكذوبة). كما أشار إلى أنه جلب الدمار للقرية وأحدث فيها شرخاً عميقاً عن طريق حسنة بت محمود بعد أن فتح أمامها أبواباً وعوالم لم تستطع معها عـودة. أيضاً الكاتب أشار إلى أن مصطفي سعيد لم يستطع الهرب من مأساته أو قدره حتى بعد أن تنكر لتاريخه وإنجازاته العلمية والفكرية وجاء القرية يعيش (تربالاً).
أخى عبدالله : أنا لا أدري ماذا كتب خالد في كتابه (اللامنتمي في أدب الطيب صالح). ولا أدري لماذا اسقطت كتابه على قولي ان مصطفي سعيد لامنتمياً وحقيقة الأمر ليس لدي ما أقوله في ما يخص هذا الكتاب (لأني لم أقرأه) فقط أذكر أنه كان موجود في مكتبات الخرطوم في نهاية الثمانينيات إن لم تخني الذاكره. تصفحت الكتاب ولم أعطه الاهتمام الكافي في ذلك الوقت ولا أظنه يصلح أو نرتضيه نحن لأن يكون معياراً لما نكتب.
أما كتاب اللامنتمي الذي قدم كولن ولسون للعالم لا يمكن تجاوزه بأية حال على أقل تقدير ـ يفرض التوقف ـ. وأذكر أن كولن ولسون مثله مثل الكاتب الفرنسي روجيه غارودي (صاحب البديل) كانت كتاباته متداولة وتحتل مساحة مقدرة من حوارات المثقفين السودانيين من جيل الستينات من القرن الماضي. حتى جاء وقت وُجه فيه الكثير من النقد لكولن ولسون خصوصاً بعد نشر كتبه (الشك والحالم وضياع في سوهو) وأذكر أن كولن ولسون رد على نقاده بأن وصفهم بـ(الأكاديميين الذين لا تؤهلهم التجربة لفهم ما يقول). وفي وصف شخصية اللامنتمي استهشد كولن ولسون بكتابات الوجوديين وافرد مساحة واسعة لرواية الغريب للبير كامو. التي تبدأ بموت والدة بطل الرواية ميرسو: (ماتت اليوم أمي، أو ربما ماتت يوم أمس، لا أدري.. ذلك أنني تلقيت برقية من المأوى) هكذا ومنذ البدء يحدد البير كامو ملامح وشخصية بطله الملتبسة في عواطفها الإنسانية والمشوشة في علائقها براهنها وجوهر وجودها , وفي سياق محاكمة ميرسو قال محامي الدفاع ما معناه : ((أن ميرسو غريب على هذا العالم ولا يجوز محاكمته بقوانين عالم لا ينتمي إليه)).
أما قولك : ((( ولكن من يقنع السودانيين بأن محليتهم يمكن لها أن تدخل قلوب وعقول الآخرين والدلالة على ذلك أدب الطيب صالح، الانفتاح على العالم الآخر لا يحتاج إلى تعديلات في لهجتنا ولا يحتاج إلى أن (نضاير) بعضاً من ممارساتنا أو تقديمها بشكل كاذب))).
قول واضح وجميل ومؤسس ولا تعليق لي عليه ولا يحتاج لإضافة .!! مجرد عقدة.!! إذ كيف نحمل السوداني على الاقتناع بأن محموله الثقافي وتاريخه وجذوره الحضارية أفضل بكثير مما يحمله الأمريكي.. مثلاً .. !!
أيضاً أعجبني قولك :
(((لذلك يعتمد مصطفى سعيد على معايير بنيته في مواجهة الآخر الذي يقوم على بنية وعي اقتصادي الانتصار والهزيمة فيه تعتمد على الحركة الاقتصادية وليس على الهزيمة الجنسية ..))) ما ذكرته يتفق تماماً مع نظرية التحليل الفاعلي. أي أن مصطفى سعيد كسوداني مثقف لكن غير متجاوز لبنية الوعي التناسلي، إعتمد على الجنس في صراعة مع الآخر. وهذا يجرني إلى حديث الذكريات:
ونحن طلبة في جامعة لينينغراد في أواخر السبيعنيات وأوائل الثمانينيات أذكر أن زميلنا الاديب المعروف الدكتور بشرى الفاضل (حينما كان طالباً لنيل شهادة الدكتوراة) صاحب الروائع (حكاية البنت التي طارت عصافيرها ـ وذيل هاهينا مخزن احزان ـ وحملة عبدالقيوم الانتقامية والغازات ـ والطفابيع .. وغيرها) هو وطالب المجاستير في أدب الطيب أخونا وزميلنا الاستاذ: الكامل أقاما: ندوة حول أدب الطيب وأذكر أنني وأخي الكامل إتفقنا على أن (الطيب صالح اسقط العقل كقيمة في مقابل الفطرة والإنتماءات المحلية بدليل أنه أكد البطولة في (الزين) (لا عقل ـ فطرة) وأسقطها في مصطفي سعيد (عقل). أعترض علينا دكتور بشرى الفاضل ولم نتنازل أنا وأخي الكامل عن رأينا فيما ذهبنا إليه.
أخونا عبدالله الطاهر: عاجز عن شكرك لهذه المداخلات القيمة والتي تحفزنا وتسوقنا سوقاً وتجرنا جراً للكتابة وقديماً قيل (أن الكتابة نوع المشاركة)..
سلام...

صلاح هاشم السعيد
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى صلاح هاشم السعيد
البحث عن جميع مشاركات صلاح هاشم السعيد

#7 08-10-2007, 06:57 AM
عثمان الحليبي
Senior Member تاريخ التسجيل: Feb 2007
المشاركات: 264



--------------------------------------------------------------------------------

الاخ صلاح السعيد لك التحية
التطرق لادب الطيب صالح من وجهات النظر النقدية باختلافاتها لم تفلح في الوصول الي سر ابداع هذا السائح الولوف. انا اتابع مايكتب عن ابداعات الطيب صالح بحثا عن هذا السر ولااجد غيركتابات تعرض بطريقتين. اما كتبوا بلغة نقدية غريبة المصطلحات علي القارئ غيرالمتخصص. وبها تضيع الفكرة عندما تصبح رقم اتنين في هم الكاتب او القاري بعد بحثه عن اللغة التي تشغله بالبحث عن مفرداتها المطابقة. وهذا مجال يكتب به اهل النقد او فيما بينهم . اما الطريقةالثانية فاهلها قرأوا ووجدوا الساحة مناسبة ليتجملوا بالكتابة عن الطيب صالح كوسيلة ظهوراكثرمما هي دراسةلاديب شغل الناس بقصصه.
الاخ صلاح ارجو المواصلة في دراسة ادب الطيب صالح فانت اكثرالناس مقدرة لذلك . كما ارجو تسهيل لغة الدراسة فكثير من الناس يهربون من المواضيع المكتوبة بلغة متخصصة.
ثانيا: البيئة الثقافية المشتركة بيننا وبين ابونا الشيخ الطيب صالح لا شك تجعلنا اقرب الناس لدراسته بطريقة اعمق.
انا اسف للغياب فانا ابحث عن موطئ قدم في السودان ما ارتكزت تجدني معك. قول لي الله يسهل عليك.
__________________
أ‍أڈ أںأ¤أٹ أڑأ¤أڈ أˆأ‘أ‡أپأ‰ أ‡أ،أ‡أکأ‌أ‡أ، أ‌أ* أ‡أ،أ“أ‡أچأ‡أٹ أ‡أںأ‹أ‘أ¥أ£ أ¦أŒأ¦أڈأ‡ أ،أ‡ أ‡أ›أ*أˆ
أ¦أ‌أ* أژأڈأڑأ‰ أ‡أ،أ‡أ،أڑأ‡أˆ أڈأ¦أ£أ‡ أ‡أˆأٹأ›أ*أ¥أ‡ أ£أٹأڑأ‰ أ،أ،أ‘أ¦أچ أ،أںأ¤ أ‌أ* أٹأ¤أ‡أ‌أ“أ¥أ‡ أ‡أ،أ£أ‍أ*أڈ أ،أ‡ أ‡أŒأ*أڈ
أ£أ¤ أگأ،أں أ‡أ،أ*أ¦أ£ أژأ‘أŒأٹ أ¦أ،أ£ أ‡أڑأڈ أ•أ¤أ¦ أ،أژأ،أ¦أ‰ أڑأ‡أ‘أ‌ أ*أ‘أŒأ¦ أ¤أŒأ‡أ‰ أ‌أ* أ›أ‌أ‡أ‘ أ‡أ،أˆأ*أڈ أ‘أڈأچأ‡ أ£أ¤ أ’أ£أ‡أ¤ أ¦أ*أ¤أٹأ¥أ* أ”أ*أژ أکأ‘أ*أ‍أ‰
أ،أ،أ‡أ¤ أ،أ‡ أڑأ¤أڈأ* أ“أ¦أ‡أ¥أ‡ أ¦أ،أ‡ أ‡أ“أ‡أ¦أ* أ‌أ* أˆأچأ¦أ‘ أ‡أ،أ‍أ¦أ£ أ£أ¤أ¥أ£ أ‍أ”أ‰ أٹأ¤أŒأ* أ›أ‘أ*أ‍

عثمان الحليبي
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى عثمان الحليبي
البحث عن جميع مشاركات عثمان الحليبي

#8 08-10-2007, 03:54 PM
طيبان
Senior Member تاريخ التسجيل: May 2007
المشاركات: 290

محبة في الطيب صالح وشيخي الحنين

--------------------------------------------------------------------------------

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة صلاح هاشم السعيد
المحلية في أدب الطيب صالح:

من رحم ثقافة محلية شديدة التميز ـ متواضع إلى حد الإكتمال ـ جاء كالبدء في عفويته وبكارته وطزاجته الأولى. الطيب صالح (إبن بيئته) ما يميزه عن غيره هو ذلك الاتحاد التام بينه وبين مشروعه، فمعظم رواياته تأتلف مع السياق الموضوعي للأشياء. كأنما يسكب روحه ويبعثر تاريخه ويؤسس بوعي لخلق عالم مثقل بتفاصيل أنتمائة الدقيق، كأنما سبق وأن عاش مشروعة بوعي تشكل خارج الكتابة. كأنما يخرج مثقلاً إلى وعيه المفرط ليطهر ذاته بالإنتماء إلى الحدود المتعارضة في مشروعه لإنجاز عمل يتجاوز الرؤية العابرة....
الرواية عنده أهزوجة ابدية وإحتفائية مليئة بالتضاد والعلائق المتناقضة. كما يسيطر المكان على مجمل النص ويتمسك بشخوصه كـ(وحدة) مرتبطة بميراثها علي مستوي المرجعيه الحضاريه والوجدانيه.. حتى يبدو وكأن شخصياته الروائية لا تنفلت ولا تتحرر إلا تماشياً مع متطلبات ومجريات النص. روايات الطيب صالح شديدة الخصوصية وشديدة المحلية (كأنما يحرر نفسه من طابع المحلية بالإغراق في ذات المحلية). في نثره السارد بكائية لـ(موت دنيا) غير معلن.. بعد أن تم أُنهاكها وانتُهِاكّها بالتدخل في تراكيبها الأساسية ومنجزاتها الحقيقية فتم تجاوز بذلك مجمل معطياتها ودفع بها إلى إمتحان أقصى الإمكان بالمتطلبات والأطماع اللانهائية.. وبعد أن أُفرِط في تنحية مجتمعاتها الأصيلة ذات الخصوصية التي استولدت ثقافات على مدى قرون طويلة لتمنح الوعي أفقه الخاص ومساحته غير المنظورة كما أنها فتحت أبوابا غير مرئية، يتصاعد من ناحيتها التاريخ والمعنى والقبول داخلياً وخارجياً.. الطيب صالح جاء قروياً من أقصى الشمال ممتلئاً بثقافة أخذت أهميتها وأبعادها الكلية من إمساكها وارتباطها العميق والوثيق بجوهرها الحضاري الحي النابض الثمين. جاء ليصهر المدرك من المعاني، ليتهم ويدين العبث الذي ولد إحساساً بالعجز والضعف أمام الحياة ووضع اساساً للشك وعدم اليقين في الآتي من المستقبل. الطيب ود صالح ضد هذا الراهن الملتبس الذي يعاني من جوع وفقر ثقافي وسيولة فكرية ومن اغتراب وانفلات. كتب عن عبقرية المكان في قرى نائية وعن عبقرية قروي مغرم محمول على ثقافة ذات أبعاد حضارية درجت على تقبل الحياة (بما هي عليه) وتواضعت على التعامل مع محيطها دون تدخل مخل بالتوازن والنسق العام.
في (موسم الهجرة إلى الشمال) عمد الطيب صالح إلى تصوير التقابل بين الحضارتين (السودانية والانجليزية) ليحقق متعة التمايز مضيفاً إلي كل منهما عناصره ومأثوراته وتقاليده. كما أن تراجيدية العمل ومأساته وإرتباط (مصطفي سعيد) بالمأزق الوجودي للإنسان ككل، منح الرواية واقعيتها وعالميتها.. ورطة الحياة ومأزقها الحقيقي يبدأ بإعلان موعد مع الموت منذ صرخة المهد الأولى.. وأفضل من عبر عن ذلك هم الوجوديون. فقد كتب احدهم، (أظنه جان بول سارتر في عمله "لا مخرج") إذ قال : (لا مخرج من أمام ولا من خلف ولا من يمين أو شمال ولا من فوق أو تحت) وفي رواية (موسم الهجرة للشمال) يقدم الطيب صالح شخصية مصطفي سعيد كشخصية ونموذج خاص ومختلف (لامنتمي) على رأي الكاتب البريطاني كولن ويلسون الذي أحدث ضجه في ستينيات القرن الماضي عندما نشر كتابه الشهير (اللامنتمي) وفي موسم الهجرة إلى الشمال لا يحيلنا المؤلف إلى الإنتماء بمعناه المكاني أو السياسي (كما يعتقد البعض) وإنما قصد عدم الإنتماء للحياة في ذاتها. فالشخصية المحورية في الرواية (مصطفي سعيد) غريبة على هذا العالم تجاوزت الاحساس المباشر بالأشياء وتجاوزت المشاعر القوية كالحب الشديد والحزن الشديد.. فعندما وصل نبأ وفاة والدته لم يحزن ولم يدمع ولكن حين تذكر ذلك بكى بكاءاً مراً، ليس لموتها وإنما لإكتشافه غرابته ولا إنتمائه.. ومأساة مصطفي سعيد تكمن في ما يمكن تسميته بـ(حيادية المشاعر تجاه العالم الحقيقي) على إفتراض أن "الوجود الواقع نفسه مشوش وغير أصيل". ومأساة الرواية أن مصطفى سعيد شخصياته متعددة استنفذت المستقبل كله فلم يعد تطلب شيئاً أو تنتظر شيئاً، جلب الدمار أينما حل. يأخذ النساء عالياً إلى سعادة جارحة ومدمرة وكأنه حضوره نوع من الجنة في أصل الجحيم. كما أنه يظل في معظم فصول الرواية ملتصقاً بوجه الموت إلى أن يأخذه النيل بلا رجعة (وأن ترك الكاتب النص مفتوحاً لإحتمالات اخري) كأنما يريد الكاتب أن يقول: مصطفي سعيد ما زال موجوداً بوجوه عدة. فقط إنظروا حولكم أو.. إلى أنفسكم..
ومصطفي سعيد في رواية موسم الهجرة إلى الشمال مثله مثل شخصية "بتجورين" كما يحلو للكتاب العرب أن يقولوا أو "بتّشورين" كما ينطق صحيحاً باللغة الروسية في رواية (بطل من هذا الزمان) لشاعر الديكابريين الروسي المعروف "ليرمنتوف". ولقد نشرت العديد من الدراسات في الأدب المقارن ما بين بتشورين ومصطفي سعيد.. منها رسالة الكامل لنيل شهادة الماجستير من جامعة لينينغراد.


صلاح هاشم
يتبع...

_________________________________________
_________________________________________
هل كان الطيب صالح يؤمن بأن مصطفي سعيد سيفتح أوربا ويغزوها من باب آخرغير الدي قاله دات شهوة؟؟؟؟
هو الجموح الدي ساقهما معا لتلمس الخطي علي الأعتاب هناك ...كل بطريقته...
الجموح الدي يعني كيف يمكنك أن تتجاوز فكرة وجودك بالبلاد المنسية- مند نبتة -- لتؤمن لنفسك موطئ قدم هناك ... في وسط لا يقبل سوي أن تكون تابعا ويصنفك حسب قراءاته وفق ما ابتدع من مدارس...ويمجد كتابه وفنانيه وعلمائه ثم لا ينسي أن يضيف شيئا من بهار العالم الثالث لإضفاء النكهة المحببة....
في تلك الأزمنة كان يعلو سقف القصة والرواية فكر متناقض(أتحدث عن زمن موسم الهجرة) بدأ واضحا بعد مامر به العالم من تجارب مرة...وإنقسامه إلي نصفين -- كل بأفكاره-- ونشأ جيل من الكتاب يناقش كل شئ ويجتر ماكتبه القدامي ليناقشه من وجهات نظر جديدة...
كان الحريق هائلا في تلك الفترة وللكتاب سطوته ولكل فكر رواده ومناصروه و(البعض يفضلها ساخنة)... وأسهمت السياسة في الثقافة بشكل واضح في تلك الفترة التي كان العالم فيها لا يكاد يقف علي الحياد.....وازدهرت في تلك الفترة مقومات الطباعة ووسائل النقل بصورة أوسع وإنتشرت العدوي إلي المجتمعات الصغيرة حتي وصلت إلي الأرياف وصار الخطاب موجها ويشير إلي إنتماء صاحبه لفكر معين....
ظهر الطيب صالح قويا مند بداياته مرتكزا علي موروثه الثقافي المحلي .... وهو ما لم يكن ليظهر بهدا التميز لولاه.... وكأنه كان يعرف السر......
كنت أتمني أن أجد الكتابة عند معاصريه في تلك الفترة-- لنخرج من حرج خيارات الأستاد عثمان الحليبي-كنت أريد رأيا يوضح محيط الطيب صالح ويقرأه من خلاله..
بالنسبة لي لا أظن أن كاتب مثله يمكن أن يهبط عليه وعي الكتابة دون مقدمات ... حتي مبرر أن البيئة الخلاقة ومقدرته الفائقة علي كشفها مستخدما تلك اللغة السهلة الممتنعة-كما يقال- لم يكن كافيا ..ففي تلك الفترة ظهركتاب عديدون وهم مثله لهم بيئاتهم الخلاقة ومقدرات التعبير .... فلابد أن نجد بشارات خروجه إلينا بكل هدا النضج.
الطيب صالح بكل هدا العمق وعبقرية السرد والتشويق والتهويم بنا في عوالم خرجنا--نحن بالأخص منها--سيكون مهما أن نبحث عن مكوناته وميزاته الأخري...فنحن معنيون بالدرجة الأولي به..نحن أهل السودان --لأننا لانقف علي تجربة مماثلة ولانملك كثيرا مما نباهي به-- وأن نعرفه عن قرب من خلال الدراسة المتخصصة مثل التي دكرها الاحباب هنا وما يكتبه أستادي صلاح هاشم بقدرة فائقة علي الإبانة والتحليل..ومداخلات صديقي المتبحر عبدالله ومقاربات الأستاد عثمان الحليبي...
لست سوي متبتل في محراب الطيب صالح _أستادي صلاح-ولست أملك من الأدوات ما يجعلني أدلو بدلوي
في هدا المحيط الزاخر ولكنني لا أتحرج من أن أملأ فارغ أكوابي من سحائب تصعد في سمائه وتمطر علينا الحب والسلوي....
سأدعو له بالشفاء وطول العمر- مع العافية- عسي أن يمنحنا المزيد راجيا ألا ينتهي بنا الأمر كما حدث لمحيميد وهو يعبر النهر ويصيح ( النجدة).......
__________________
أڑأ‘أ*أ‍ أ‡أ،أچأˆ أ¤أˆأ– أ‍أ‡أˆأ– أ£أٹأ، أ‍أˆأ– أ‡أ،أچأ‘أ¦أ‌ أ‌أ* أ‡أ“أ£أ*

طيبان
مشاهدة ملفه الشخصي
إرسال رسالة خاصة إلى طيبان
البحث عن جميع مشاركات طيبان

#9 08-12-2007, 06:53 AM
عبد الله إبراهيم الطاهر
Senior Member تاريخ التسجيل: Feb 2007
الدولة: Bahrain - Manama
المشاركات: 476




--------------------------------------------------------------------------------

"هل تسببت في إنتحار آن همند؟
"لا أدري"
"وشيلا غرينود"
"لا أدري"
"وايزابيلا سيمور؟"
"لا أدري"
"هل قتلت جين مورس؟"
"نعم"
"قتلتها عمداً؟"
"نعم"

الموسم ص 36

أصيبت شخصية مصطفى سعيد بازدواجية مرضية ساهمت في ظهور صراع عنيف داخله، ما بين الشخصية المتفوقة وصاحبة الانجازات العلمية المتقدمة وتلك الشخصية التي ظلت تسعى للنيل من المجتمع البريطاني باي شكل من الأشكال: "إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل في السوم وفي فردان، جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف عام، نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازياً في عقر داركم، قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ"، كانت تلك أفكار الرواي التي جاء يحملها إلى بريطانيا عليه الآن أن يعمل وسط أولئك الذين ظل لسنوات هو وبقية المثقفين ينظرون إليهم نظرة عدائية منفلتة، تأثرت عبر سنوات منذ دخول كتشنر حتى هزيمة 1924م تلك التي تركت آثاراً واضحة في تعاطي المثقف السوداني مع السياسة، ويتمثل الطيب صالح على لسان بطله مصطفى سعيد شخصية محمود ود أحمد باحثاً عن سر إلهام الهزيمة داخل الشخصية السودانية يقول: "حين جئ إلى كتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا، قال له لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب؟، الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً، فليكن أيضاً ذلك شأني معهم"، تلك الطأطأة التي ظل يمارسها المثقف السوداني بعد عقود من الزمن تجاه أنظمة سياسية له رأي ضدها.
تلك الازدواجية وذلك الصراع هو حال المثقف السوداني كما يقول الشيخ محمد الشيخ "وهو حال المثقف السوداني منقسم على نفسه ذو وجهين في حركة الحياة العادية هو مع الناس في الحقل والمسجد ولكن ما أن تؤول إليه سلطة أو نفوذ سرعان ما ينسحب مسرعاً إلى غرفته المظلمة ليجلب لها الأثاثات من أوروبا ..."
ولعل تمثيل مصطفى سعيد بالمثقف السوداني وإسقاط كثير من ممارساته على المثقف السوداني أو بالأحرى اسقاط الطيب صالح لمعظم ممارسات المثقفين السودانيين على مصطفى سعيد ملحوظة تحدث عنها عدد كبير من النقاد والباحثين، وآخر تمثيل لذلك كتبته قبل ستة أشهر تقريباً في صحيفة السوداني جرازيلدا الطيب حيث تحدثت عن أن مصطفى سعيد يمثل ثلاثة شخصيات حقيقية درست ببريطانيا في فترات متفاوتة [عزيزي طيبان أعتقد أن جرازيلدا أو جوهرة كما يحلو للراحل البروفيسور عبد الله الطيب مناداتها هي من جيل الطيب صالح].
قلت يا استاذي صلاح أنك لا تظن أن رواية موسم الهجرة إلى الشمال رمت إلى مقصد الجنس على أساس أنه هدف صراعات الحياة كما ذهب بعض علماء النفس وأشهرهم فرويد وأنا أتفق معك في ذلك ولكن في إعتقادي أن أمر الجنس في لوحة الصراع جاء نتيجة مشاهد انتقال المثقفين من العالم الثالث في تلك الفترة الذين خرجوا من بلدان كانت ترزح تحت وطأة الاستعمار (وتحت وطأة مجتمع تقليدي) إلى بلاد تموت حيتانها من الصقيع والبرد والحرية الفردية تمثل كشفاً جديداً وسحرياً (مجتمع حديث منفتح لا حياء فيه) هذا الانتقال شكل ملامح الازداوجية والانقسام فيهم لذلك أعتقد أنه أمر طبيعي أن يظهره الطيب صالح وكان هذا الأمر ظاهره ربما كانت نتيجتها استخدام أجهزة المخابرات للجنس في صراعاتها وعملياتها السرية.
ومصطفى سعيد يمثل ذلك: "أقرأ الشعر، وأتحدث في الدين والفلسفة، وأنقد الرسم، وأقول كلاماً عن روحانيات الشرق، وأفعل كل شئ حتى أدخل المرأة في فراشي، ثم أسير إلى صيد آخر"، كأن ذلك هو كل الهم، وفي أعتقادي أنه يمكننا أن نقرأ ذلك وفقاً لرؤية رائعة لعزيزنا القاص عبد الغني كرم الله حول السيرة والسريرة وله فيها قول جميل وقصة ممتعة هي قصة "كلبة فاطمة" - تلك التي وعدتكم بنشرها من قبل - فلكل إنسان سيرة معروفة للناس فمصطفى سعيد معروف أنه أكاديمي بارز وله اسهامات مقدرة في الاقتصاد و ...و ....و .....و، وله سريرة حكى عنها ولو لم يحكي عنها لما عرفناها، لذلك يأتي الصراع بين السيرة المعروفة للناس والسريرة التي دائماً لا تكون معروفة وحينما تعرف تجد أن الشخص أصبح ينظر إليه بلا هيبة كما الناظر في "كلبة فاطمة" فهو مهاب بين التلاميذ وفي يوم هرول أمام كلبة بين الناس في السوق فلم يعد التلاميذ يخافونه.
لذلك نشأ الصراع بين سيرة مصطفى سعيد وسريرته بعد أن عاد إلى تلك القرية في منحنى النيل شمال السودان.
يمكنك أن تلاحظ ذلك من رأي بعض الناس حول بعض المثقفين تجد أحدهم ينظر لمثقف معروف بدونية لأنه شاع بين الناس بعضاً من سريرته، ويمكنني أن أقدم لك أمثله كثيرة للغاية ولعلك تذكر الكثير منها.

خصوص الشيخ محمد الشيخ ونظرية الفاعلية:
كما ذكرت لك كنت معجباً بكتاب (الإنسان والتحليل الفاعلي) ويعود أمر علاقتي بذلك الكتاب إلى بداية التسعينات ثم قبل عام أو يزيد قادتني الصدف لشخص يعرفه وحدثني عنه دون أن يذكر اسمه فأكملت له الحديث عن الشخص وتواصلت العلاقة بيني والأستاذ وأتصل بي مشكوراً من ليبيا ثم أنقطع التواصل بعد مغادرتي السودان، وللفائدة العامة أرفق لك هنا رابط موقع مركز دراسات الفاعلية للشيخ محمد الشيخ المتواجد بليبيا وقد قام بتوسيع نظريته والدراسات الانسانية المتعلقة بها من باب الأدب وغيره.
مركز دراسات الفاعلية

ولك كامل معزتي

احتراماتي