عثمان الحليبي
09-29-2007, 09:41 AM
قال له بابتود: عَِديلي.. عديلي تَبْ
وكان جاهوري قد وقف لتوه جوار بئر الشقاقير راجعاً من مُسَّاوي وذاهبا الي مروى وفوقه العالمين من الناس والطلاب. فهذا يوم السبت بكل تفاصيل اهله المجبرون على هذا البرد العجيب.
قال ود الفضل: وا حلالي عليك يا بابتود لا مدرسة لا هم.
كانت كلمة (عديلي) من بابتود لها فعلها في نفوسنا منذ ايام المتوسطة. علم بالغيب اوقل موهبة من الله لذلك المجذوب الذي لا يعلم في هذا الكون كما نعلم.
كان كما الحج له مواقيت مكانية وزمانية. فهو يعرف اين يجد الناس ويستأنس بهم . فقد قال عنه ود قرافي أنه غفير يحرس الناس من امور غير مرئية لهم.
بعد أن يحضر بابتود ذهاب جاهوري الي مروي يتسمر قليلا عند البئر يتابع حتى تملاء إعرابيات العشرة ازيارها. ما علت الشمس الي خمس السماء الاول إلا وذهب الي ضل السدرة الضحوي. اما عصرا ففي مجرى العربات محمرا بالحيبة الغبراء. ومغربا بين الزريبة والبئر يستقبل العائدين من الجزيري من عسى ان ياتي له عباس بفاكهة في جيبه . وعشاءا تختلط قهقهته مع صيحات الاطفال وهم يلعبون في قوزالعشر. وفي كل يرى العابرين . اما نهارا فخاص بابناء اخوانه وشفع الحلي داخل محيط بيوت البوابتيد من مركزه راكوبة بتد سعدالله.
يقول لنا بابتود عديلي فتنعدل لنا الامور المقلوبة. فكم حولت هذه الكلمة من نفوس الطلاب المتخوفين من الاختبارات الاسبوعية ومن مراصد المواقف الخاطئة داخل الاحياء. فكم من خائف اطمئن بها وكم من مطمئن خاف اذا كان مزاج بابتود عكرا وقال ماها عديلي.
فإن قال بابتود ماها عديلي فلا شك ان الامور المعدولة ستنقلب. ويومها. . الله لا اراك مثل يومه. ابتداء من طابور الصباح حتى الحصة السادسة. وقد قيل في الاعوام السابقة ان سبب ترك حماد للمدرسة كان في يوم عادي سأل فيه بابتود: يا بابتود هل هي عديلة ام لا. ذلك اليوم كان يوم سبت بعد خميس فارق فيه بابتود شفع المدرسة ليومين ولكنهم عندما قدموا لم يهدوا له شئ من كلمات السلام ولم ينتظروا حتى يزعل منهم. ولما اراد ان يرد غضبه عليهم صادف حماد فقال له : ماها عديلي ولم يذهب صديقنا الي الخطوة السادسة الا وقال له بابتود مرة اخرى مرددا لها علي دفعتين متتابعتين: ماها عديلي .. ماها عديلي تب. بكي حماد ورجع مباشرة ولم يعد الي المدرسة مرة اخرى حتي يومنا هذا وقد كان من الطلاب النجباء.
قال لنا بابتود عديلي ولم نترك الدراسة ولكن شوفوا الوقعنا فيها : مرقنا من ود العوض وقعنا في فاروق. وظلت النفس متعلقة باسباب الحرية حتى وان كان تأخر يوم واحد تتمتع به بعيداً عن عيون الناس بصباحية سبت لن يكن لك نصيب في سحره.
قال مجرب عاقل محبط : ده ووب وداك ووبين .
مجبورة خادم الفكي علي الصلاة. وعديلي جعلت اغبش الفضل مبتسما لنفسه وفي وجوه الاخرين كلما توقف جاهوري عند محطة وركب منتظريه الملتفون بالثياب. قال لود الكامل : غايتو بابتود قال عديلي . ان شاء الله الله يعدلها. كان هازئ بهمومه وفاك طلاسم القلق والشرود من عمق صديقه الذي وضح انه ليس كعادته.
إعتلى ود الكامل سطح البص عبرالسلم , شاردا الي ما بعد ساعة من الان خائفا. وطئ جراب اعرابي من الهواوير فلكزة الاعرابي لكزة غير صارخة لكن فيها انتقام مباشر .
اغبش الفضل باسم في غباشه وود الكامل مسودا في سواده .
وفجوا له بينهم وجلس,
عليك الله... صح؟
آي والله .والله انا اصلي ما سويت لي شئ .معتمد علي الله وعلي صدفة مزاج بابتود. قلنالو عديلي ؟ قال لنا: اي عديلي.
قال لكم (تب) واللا ما قالها.
لكن والله زولك ما حا يريحنا. تحيا وتشوف إن ما سوا زي ما قال.
باقيلك استاذ فاروق ان سواها نحنا بنقدر نسوي.
الله ينعل علي نعيم سواها لينا في الضحك. .. قولو خم صر.
مصطفي ده يخاف من الاختبارات دي تقول فيها موت. اكنك ساعة يركب ما تقول له قال عديلي.
وكان البرد عند حفر التيمان عنيف والدرب لا زال طويل حتى حلة دكام وسهلة السوق. يا له من زمن حتى نخرج من احياء القريروتدخل العريان. كم كنا عراة نحن من ملابس البرد. تدرعنا من بيوتنا بكل ملابسنا. وترانا نحمل حقائبنا الصغير فارغة الا من التمر والسكر. كل ما تملك من ملابس ولا تنسى يوم الخميس خذ معك بطانيتك.
عطا هردي دكامي ذو ذكاء قوي وقلب ميت. علي الحصة يدخل الامتحان. صنع شنطته من شوال سكر . وملاء كيسه تمرا من كشيق تمور الحواشات. اما جيبه فمن عمل ونقاحة صباح وضهر الجمعة في حقول واناقي سواقي الدونقاب. لم يدخل البرد بين شقوق جلده ولم يكترث له ولم يدخله هم اختبار الرياضيات ولم يكترث له. ولم يقف له جاهوري بل اكترث له. قذف من الارض بحقيبته لنا في وسط السطح وجرى وتسلق السلم وصعد الينا ولم يشعر به من بداخل البص ولا اهل الاتجاه الاخر من السطح.
قالت لنا القرير كونوا فكنا. بخيرات ارضها كنا. وبقدوة معلمينا كنا. وبطيبة ورباط مجتمعنا كنا. وبحريتنا في لعب الاطفال كنا. وبجلسات طنابيرنا في القيزان كنا. وبصدق مشاعرنا مع من نهوي وقدسية علاقاتنا مع من نحب كنا.
تتعدد المواسم وتعددت السنين وعثمان جاهوري اماما للناس علي منبر القيادة. صامتا وصمته مهيب . ورث فراسة جده جاهوري ود حمد السيد . كما تقول عيونه التي لم ارها لانها حدود يصعب تخطيها. رجع الي القرير بعد ان كان عسكريا في مصر. اشترى هذا البص واصبح في المساسقة بين مُسَّاوي ومرَوِي. يقضي حوائج الناس في مجلس مروي وبريدها ومحكمتها. وكمن قد اوصي بالسر وان كان في الاصل عصب الحركة. وكما كان مصدر رزقه هذا جمعية تعاونية لا يهتم منك بالمقابل وإن كان معروف القيمة.
كانت مواقيته يومية يعرف بها الاطفال ميقات القيام من النوم الي المدرسة صباحا. ويعرف بها شفع الكنيسي مواعيد غدائهم بعد الظهر.
رحل بابتود من هذه الفانية التي اتاها لسر إلاهي بعد أن انتهت المهمة وكان في وداعه درويش المقل وما خفي في عقول المجاذيب. رحل بابتود ورحل علي الخبير ورحلت حروم ومن ثم بابكر ود سيد احمد وغابت غفارة الحي. رحل اهل الحكمة سويا، اهل العلم واهل الغيب. رحل شيخنا ود النجيب ورحل علي الشب ورحل عثمان جاهوري. وتفرقنا نحن كل منا في بلد. نسترجعهم في ذاكرتنا كلما ضاقت بنا الحياة واخذت منا الجميل. ضعنا دون هداية وجرينا ولم نحوش. ومخيلتنا بين طيات الذكرى والنسيان تمتن لاساتذتنا وتقدس سيرتهم. فقد اخذنا نحن ذلك الرونق بدروس العصر والمذاكرة والحصص الصباحية.
وكان جاهوري قد وقف لتوه جوار بئر الشقاقير راجعاً من مُسَّاوي وذاهبا الي مروى وفوقه العالمين من الناس والطلاب. فهذا يوم السبت بكل تفاصيل اهله المجبرون على هذا البرد العجيب.
قال ود الفضل: وا حلالي عليك يا بابتود لا مدرسة لا هم.
كانت كلمة (عديلي) من بابتود لها فعلها في نفوسنا منذ ايام المتوسطة. علم بالغيب اوقل موهبة من الله لذلك المجذوب الذي لا يعلم في هذا الكون كما نعلم.
كان كما الحج له مواقيت مكانية وزمانية. فهو يعرف اين يجد الناس ويستأنس بهم . فقد قال عنه ود قرافي أنه غفير يحرس الناس من امور غير مرئية لهم.
بعد أن يحضر بابتود ذهاب جاهوري الي مروي يتسمر قليلا عند البئر يتابع حتى تملاء إعرابيات العشرة ازيارها. ما علت الشمس الي خمس السماء الاول إلا وذهب الي ضل السدرة الضحوي. اما عصرا ففي مجرى العربات محمرا بالحيبة الغبراء. ومغربا بين الزريبة والبئر يستقبل العائدين من الجزيري من عسى ان ياتي له عباس بفاكهة في جيبه . وعشاءا تختلط قهقهته مع صيحات الاطفال وهم يلعبون في قوزالعشر. وفي كل يرى العابرين . اما نهارا فخاص بابناء اخوانه وشفع الحلي داخل محيط بيوت البوابتيد من مركزه راكوبة بتد سعدالله.
يقول لنا بابتود عديلي فتنعدل لنا الامور المقلوبة. فكم حولت هذه الكلمة من نفوس الطلاب المتخوفين من الاختبارات الاسبوعية ومن مراصد المواقف الخاطئة داخل الاحياء. فكم من خائف اطمئن بها وكم من مطمئن خاف اذا كان مزاج بابتود عكرا وقال ماها عديلي.
فإن قال بابتود ماها عديلي فلا شك ان الامور المعدولة ستنقلب. ويومها. . الله لا اراك مثل يومه. ابتداء من طابور الصباح حتى الحصة السادسة. وقد قيل في الاعوام السابقة ان سبب ترك حماد للمدرسة كان في يوم عادي سأل فيه بابتود: يا بابتود هل هي عديلة ام لا. ذلك اليوم كان يوم سبت بعد خميس فارق فيه بابتود شفع المدرسة ليومين ولكنهم عندما قدموا لم يهدوا له شئ من كلمات السلام ولم ينتظروا حتى يزعل منهم. ولما اراد ان يرد غضبه عليهم صادف حماد فقال له : ماها عديلي ولم يذهب صديقنا الي الخطوة السادسة الا وقال له بابتود مرة اخرى مرددا لها علي دفعتين متتابعتين: ماها عديلي .. ماها عديلي تب. بكي حماد ورجع مباشرة ولم يعد الي المدرسة مرة اخرى حتي يومنا هذا وقد كان من الطلاب النجباء.
قال لنا بابتود عديلي ولم نترك الدراسة ولكن شوفوا الوقعنا فيها : مرقنا من ود العوض وقعنا في فاروق. وظلت النفس متعلقة باسباب الحرية حتى وان كان تأخر يوم واحد تتمتع به بعيداً عن عيون الناس بصباحية سبت لن يكن لك نصيب في سحره.
قال مجرب عاقل محبط : ده ووب وداك ووبين .
مجبورة خادم الفكي علي الصلاة. وعديلي جعلت اغبش الفضل مبتسما لنفسه وفي وجوه الاخرين كلما توقف جاهوري عند محطة وركب منتظريه الملتفون بالثياب. قال لود الكامل : غايتو بابتود قال عديلي . ان شاء الله الله يعدلها. كان هازئ بهمومه وفاك طلاسم القلق والشرود من عمق صديقه الذي وضح انه ليس كعادته.
إعتلى ود الكامل سطح البص عبرالسلم , شاردا الي ما بعد ساعة من الان خائفا. وطئ جراب اعرابي من الهواوير فلكزة الاعرابي لكزة غير صارخة لكن فيها انتقام مباشر .
اغبش الفضل باسم في غباشه وود الكامل مسودا في سواده .
وفجوا له بينهم وجلس,
عليك الله... صح؟
آي والله .والله انا اصلي ما سويت لي شئ .معتمد علي الله وعلي صدفة مزاج بابتود. قلنالو عديلي ؟ قال لنا: اي عديلي.
قال لكم (تب) واللا ما قالها.
لكن والله زولك ما حا يريحنا. تحيا وتشوف إن ما سوا زي ما قال.
باقيلك استاذ فاروق ان سواها نحنا بنقدر نسوي.
الله ينعل علي نعيم سواها لينا في الضحك. .. قولو خم صر.
مصطفي ده يخاف من الاختبارات دي تقول فيها موت. اكنك ساعة يركب ما تقول له قال عديلي.
وكان البرد عند حفر التيمان عنيف والدرب لا زال طويل حتى حلة دكام وسهلة السوق. يا له من زمن حتى نخرج من احياء القريروتدخل العريان. كم كنا عراة نحن من ملابس البرد. تدرعنا من بيوتنا بكل ملابسنا. وترانا نحمل حقائبنا الصغير فارغة الا من التمر والسكر. كل ما تملك من ملابس ولا تنسى يوم الخميس خذ معك بطانيتك.
عطا هردي دكامي ذو ذكاء قوي وقلب ميت. علي الحصة يدخل الامتحان. صنع شنطته من شوال سكر . وملاء كيسه تمرا من كشيق تمور الحواشات. اما جيبه فمن عمل ونقاحة صباح وضهر الجمعة في حقول واناقي سواقي الدونقاب. لم يدخل البرد بين شقوق جلده ولم يكترث له ولم يدخله هم اختبار الرياضيات ولم يكترث له. ولم يقف له جاهوري بل اكترث له. قذف من الارض بحقيبته لنا في وسط السطح وجرى وتسلق السلم وصعد الينا ولم يشعر به من بداخل البص ولا اهل الاتجاه الاخر من السطح.
قالت لنا القرير كونوا فكنا. بخيرات ارضها كنا. وبقدوة معلمينا كنا. وبطيبة ورباط مجتمعنا كنا. وبحريتنا في لعب الاطفال كنا. وبجلسات طنابيرنا في القيزان كنا. وبصدق مشاعرنا مع من نهوي وقدسية علاقاتنا مع من نحب كنا.
تتعدد المواسم وتعددت السنين وعثمان جاهوري اماما للناس علي منبر القيادة. صامتا وصمته مهيب . ورث فراسة جده جاهوري ود حمد السيد . كما تقول عيونه التي لم ارها لانها حدود يصعب تخطيها. رجع الي القرير بعد ان كان عسكريا في مصر. اشترى هذا البص واصبح في المساسقة بين مُسَّاوي ومرَوِي. يقضي حوائج الناس في مجلس مروي وبريدها ومحكمتها. وكمن قد اوصي بالسر وان كان في الاصل عصب الحركة. وكما كان مصدر رزقه هذا جمعية تعاونية لا يهتم منك بالمقابل وإن كان معروف القيمة.
كانت مواقيته يومية يعرف بها الاطفال ميقات القيام من النوم الي المدرسة صباحا. ويعرف بها شفع الكنيسي مواعيد غدائهم بعد الظهر.
رحل بابتود من هذه الفانية التي اتاها لسر إلاهي بعد أن انتهت المهمة وكان في وداعه درويش المقل وما خفي في عقول المجاذيب. رحل بابتود ورحل علي الخبير ورحلت حروم ومن ثم بابكر ود سيد احمد وغابت غفارة الحي. رحل اهل الحكمة سويا، اهل العلم واهل الغيب. رحل شيخنا ود النجيب ورحل علي الشب ورحل عثمان جاهوري. وتفرقنا نحن كل منا في بلد. نسترجعهم في ذاكرتنا كلما ضاقت بنا الحياة واخذت منا الجميل. ضعنا دون هداية وجرينا ولم نحوش. ومخيلتنا بين طيات الذكرى والنسيان تمتن لاساتذتنا وتقدس سيرتهم. فقد اخذنا نحن ذلك الرونق بدروس العصر والمذاكرة والحصص الصباحية.