صلاح عبد النبي
09-24-2007, 01:37 PM
(1) حكاية آدم ..
تلبدت سماء تلك الليلة بالغيوم السوداء الثقيلة والتي تنذر بهطول مطر غزير . حمل صحنه وأتجه في مشواره اليومي نحو دكان آدم الفوراوي محدثا نفسه ( خلينا يا بوي نلحق نجيب لينا شوية فول .. الحكاية دي الظاهر عليها مطنبجة الليلة ) ..
آدم بالله أدينا فول بخمسة قروش ..
آدم .. فتى من قبيلة الفور .. ناصع السواد . . متوسط القامة .. قليل الكلام .. يجيبك دائماً على أسئلتك بعد هنيهة قد تطول أحياناً .. ويخرج صوته كفحيح الأفعى من حلقه مختلطاً بأزيز الهواء الخارج من رئتيه ثم يميل برأسه قليلاً إلى اليسار حين تخرج الكلمات من فمه . .
(والله يا صلاح فول في لكن إيش مافي ) ..
إيش مافي .. العيش في ذلك الزمان كان بضاعة نادرة .. إن لم تخرج مع آذان الفجر لتلتحم مع الغبش وقوفاً في صف الرغيف فعليك أن تبدأ في التدبير منذ تلك اللحظة ..فطير .. قراصة ..كسرة المهم أي وسيلة أخرى للغموس بدلاً عن الرغيف ..
(ياخي شنو يا آدم ياخي .. إنت كل يوم أجيك تقولي فول في لكن إيش مافي ..كل يوم تدورلي الأسطوانة دي .. حفظتها حفظ ..تاني بالله قول لي فول في .. ما تقول لي إيش مافي عشان أنا عارف إنو مافي .. أسي الفول دة ناكلو بالمعلقة يعني ولاّ نعمل شنو .. آدم ياخي انت عارف نحن ناس عزابة .. عزابة .. يعني ما بنقدر نتصرف زي بقية الخلق ... شوف بالله كدة .. شوف في الشوال بتاع العيش يمكن تلقالك عيشتين ولاّ ثلاثة ...ناولني ليهم )
(فول في لكن إيش مافي ..) يظل مصراً على موقفه .. لا ينفعل أبداً .. مهما صرخت في وجهه تظل قسماته هادئة كأنما سبكت بضوء القمر .. يجيد الاستماع حتى يخيل لك أنه يجهز للرد عليك بخطبة عصماء .. ولكنه في نهاية المطاف يظل يردد نفس الجملة ( والله فول في لكن إيش مافي ! )
- خلاص يا آدم ياخي أدينا الفول دة خلينا نمشي أنا وأخوي نكب لينا فوقو شوية شمار وناكلو بالمعالق زي البليلة ) ..
عبأ صحنه بالفول الأخمر الناضج بينما لفحت أنفه نكهته الرائعة والتي تذكره دائماً برائحة الطين المخلوط بعشب الأرض ، وحين وصل إلى البيت وجد أخيه يغالب كلاليب النعاس التي أنشبت أظافرها في جسده تحت تأثير الهنبريب البارد الذي يهب عليهم من الجنوب متجهاً نحو الشمال منذراً بأمطار غزيرة هذا المساء كما تقول مذيعة النشرة الجوية التي كانت تلملم أطراف ثوبها وهي تستعد للمغادرة بعد أن قرأت أرقام معدلات الحرارة في بعض الدول المجاورة ..
قوم ياخينا هي .. قوم خلنا نسف الفول دة وبعداك نشوف الفي الكتاب .. زمجر أخوه بكلام غامض ثم مضى نحو ماسورة الحوض ليغسل يديه قبل الأكل ..
(البتغسل ليها شنو – جيبلك معلقة وتعال .. الحكايي الليلي بليلي ساااااكت )
بليلة شنو ياخي .. أنا والله مع الزيفة دي أسع قلت تكون ظبطت الفول بالجبنة والشمار والبصل .. الحاصل شنو .. بليلة شنو ..
الحاصل ؟!
إيش مافي !!
والله ما عارفين المجاعة دي آخرتها وين .. خلاص جيبو ..
وعندما كانت حبات الفول تتدحرج عبر أفواهم نحو أمعائهم الخاوية انفجرت السماء فوقهم وانهمر المطر محدثاً فرقعة عالية النغمة فوق الزنك الذي يظلل منزلهم .
خرج صباح اليوم التالي باكراً بعد آذان الفجر مباشرة وتلمس طريقه محاذراً أن يقع في بركة ماء أو حفرة تغطيها المياه فيحدث ما لا تحمد عقباه .. ونجح في الوصول لشارع الاسفلت الرئيسي الذي يستغل منه المواصلات المتجهة نحو قلب العاصمة . وفي ذلك الصباح الباكر داعبت أنفه رائحة لا تخطئها خياشيمه أبداً .. رائحة الرغيف الساخن تعبق في تلك الأجواء الممطرة . ولم يحتاج لكثير من العناء للوصول للفرن القريب الذي كان يطرح انتاجه من العيش الساخن فيما قبع بضع أشخاص في صف قصير ينتظرون حصتهم من ذلك المنتج النادر ، لم يتواني صاحبنا في أخذ مكانه في الصف وسرعان ما كان يحتضن نصيبه من الرغيف وطيف ابتسامة غامضة يلوح فوق شفتيه . عاد مسرعاً نحو المنزل بعد أن أقنع نفسه بعدم الذهاب للعمل اليوم بسبب المطر ورداءة الطريق .. بينما كان يردد في موال داخلي يتناسق مع خطواته المسرعة .. جاييك يا آدم .. جاييك يا آدم ..
اختطف صحن الأمس ذاته والذي تيبست على أطرافه بقايا فول آدم وانطلق نحو الدكان بينما كانت الشمس ترسل أشعتها الباهتة عبر بقايا سحب الليلة المطيرة ، ولم ينسى أن يصيح في أخيه أن يسارع بتجهيز صحن البصل والليمون والشطة ريثما أحضر الفول .
كان آدم في تلك اللحظات يقوم بترتيب أوضاع دكانه الصغير بعد أن تسببت الأمطار الغزيرة التي هطلت طوال الليلة في نشوب بعض الأضرار الخفيفة في سقف الدكان مما أدى إلى تسرب المياه إلى الداخل محدثة تلفاً مجدوداً في البضاعة .
وقف أمامه ملوحاً بالصحن وهو يصفر لحناً محبباً إلى نفسه بينما اتسعت رئتاه في عمق وهما تسحبان نفسًا عميقاً من نسيم الصباح العليل .
- يلا يا آدم ياخي .. عارفك حتقول شنو .. أدينا الفول خلينا نستمتع مع الزيفة السمحة دي.
لم يحرك آدم ساكناً .. وفي ذات اللحظة ارتفع صوت المذيع في إذاعة أم درمان في ختام نشرة السادسة والنصف وهو يعدد الذين انتقلوا للدار الآخرة وآدم يرفع يديه بالفاتحة على أرواحهم .
أوجس خيفة وهو يرى آدم لايزال يتشاغل عنه بما في يده .. ثم تحول هاجس الخوف إلى حقيقة ناصعة حينما إبتسم آدم إبتسامة واسعة جعلته يرى أسنانه لأول مرة ..
آدم ياخي أنا عارف ما عندك عيش ..ما داير عيش ياخي أديني الفول خليني أمشي ..
ازدادت ابتسامة آدم اتساعاً ..
ثم باغته بالضربة القاضية قائلاً ..
(( والله يا صلاح .. الليلة إيش في لكن فول ما في !!! )لم يستطع أن يستوعب الجملة .. شنو يا آدم قلت شنو ؟
(( والله الليلة مطر دة ما خلانا نوقد فحم عشان نسوي فول .. عشان كدة .. إيش في لكن فول مافي ) ..
أحس بخاصرتيه تضيقان حتى التصقتا تماماً .. ومن داخل أمعائه تناذر إحساس بشئ متكور يلتف حول أم تلافيفه ثم يتركها متجهاً نحو المصران الأعور مسبباً شعوراً عارماً بالموت ..
وفي لحظات .. أنطلق الصحن في الفضاء مكوناً دوائر لولبية لا متناهية ظلت تدور في فضاء الكلاكلة وهي تردد في ما يشبه المناحة .. فول في لكن إيش ما في .. إيش في لكن فول مافي ..إيش في .. فول في .. إيش مافي .. وانطلق صاحبنا خلفها وهو يقهقه صارخاً .. فول في .. إيش مافي .. أيش في لكن فول مافي .. في ..مافي ..ما .
تلبدت سماء تلك الليلة بالغيوم السوداء الثقيلة والتي تنذر بهطول مطر غزير . حمل صحنه وأتجه في مشواره اليومي نحو دكان آدم الفوراوي محدثا نفسه ( خلينا يا بوي نلحق نجيب لينا شوية فول .. الحكاية دي الظاهر عليها مطنبجة الليلة ) ..
آدم بالله أدينا فول بخمسة قروش ..
آدم .. فتى من قبيلة الفور .. ناصع السواد . . متوسط القامة .. قليل الكلام .. يجيبك دائماً على أسئلتك بعد هنيهة قد تطول أحياناً .. ويخرج صوته كفحيح الأفعى من حلقه مختلطاً بأزيز الهواء الخارج من رئتيه ثم يميل برأسه قليلاً إلى اليسار حين تخرج الكلمات من فمه . .
(والله يا صلاح فول في لكن إيش مافي ) ..
إيش مافي .. العيش في ذلك الزمان كان بضاعة نادرة .. إن لم تخرج مع آذان الفجر لتلتحم مع الغبش وقوفاً في صف الرغيف فعليك أن تبدأ في التدبير منذ تلك اللحظة ..فطير .. قراصة ..كسرة المهم أي وسيلة أخرى للغموس بدلاً عن الرغيف ..
(ياخي شنو يا آدم ياخي .. إنت كل يوم أجيك تقولي فول في لكن إيش مافي ..كل يوم تدورلي الأسطوانة دي .. حفظتها حفظ ..تاني بالله قول لي فول في .. ما تقول لي إيش مافي عشان أنا عارف إنو مافي .. أسي الفول دة ناكلو بالمعلقة يعني ولاّ نعمل شنو .. آدم ياخي انت عارف نحن ناس عزابة .. عزابة .. يعني ما بنقدر نتصرف زي بقية الخلق ... شوف بالله كدة .. شوف في الشوال بتاع العيش يمكن تلقالك عيشتين ولاّ ثلاثة ...ناولني ليهم )
(فول في لكن إيش مافي ..) يظل مصراً على موقفه .. لا ينفعل أبداً .. مهما صرخت في وجهه تظل قسماته هادئة كأنما سبكت بضوء القمر .. يجيد الاستماع حتى يخيل لك أنه يجهز للرد عليك بخطبة عصماء .. ولكنه في نهاية المطاف يظل يردد نفس الجملة ( والله فول في لكن إيش مافي ! )
- خلاص يا آدم ياخي أدينا الفول دة خلينا نمشي أنا وأخوي نكب لينا فوقو شوية شمار وناكلو بالمعالق زي البليلة ) ..
عبأ صحنه بالفول الأخمر الناضج بينما لفحت أنفه نكهته الرائعة والتي تذكره دائماً برائحة الطين المخلوط بعشب الأرض ، وحين وصل إلى البيت وجد أخيه يغالب كلاليب النعاس التي أنشبت أظافرها في جسده تحت تأثير الهنبريب البارد الذي يهب عليهم من الجنوب متجهاً نحو الشمال منذراً بأمطار غزيرة هذا المساء كما تقول مذيعة النشرة الجوية التي كانت تلملم أطراف ثوبها وهي تستعد للمغادرة بعد أن قرأت أرقام معدلات الحرارة في بعض الدول المجاورة ..
قوم ياخينا هي .. قوم خلنا نسف الفول دة وبعداك نشوف الفي الكتاب .. زمجر أخوه بكلام غامض ثم مضى نحو ماسورة الحوض ليغسل يديه قبل الأكل ..
(البتغسل ليها شنو – جيبلك معلقة وتعال .. الحكايي الليلي بليلي ساااااكت )
بليلة شنو ياخي .. أنا والله مع الزيفة دي أسع قلت تكون ظبطت الفول بالجبنة والشمار والبصل .. الحاصل شنو .. بليلة شنو ..
الحاصل ؟!
إيش مافي !!
والله ما عارفين المجاعة دي آخرتها وين .. خلاص جيبو ..
وعندما كانت حبات الفول تتدحرج عبر أفواهم نحو أمعائهم الخاوية انفجرت السماء فوقهم وانهمر المطر محدثاً فرقعة عالية النغمة فوق الزنك الذي يظلل منزلهم .
خرج صباح اليوم التالي باكراً بعد آذان الفجر مباشرة وتلمس طريقه محاذراً أن يقع في بركة ماء أو حفرة تغطيها المياه فيحدث ما لا تحمد عقباه .. ونجح في الوصول لشارع الاسفلت الرئيسي الذي يستغل منه المواصلات المتجهة نحو قلب العاصمة . وفي ذلك الصباح الباكر داعبت أنفه رائحة لا تخطئها خياشيمه أبداً .. رائحة الرغيف الساخن تعبق في تلك الأجواء الممطرة . ولم يحتاج لكثير من العناء للوصول للفرن القريب الذي كان يطرح انتاجه من العيش الساخن فيما قبع بضع أشخاص في صف قصير ينتظرون حصتهم من ذلك المنتج النادر ، لم يتواني صاحبنا في أخذ مكانه في الصف وسرعان ما كان يحتضن نصيبه من الرغيف وطيف ابتسامة غامضة يلوح فوق شفتيه . عاد مسرعاً نحو المنزل بعد أن أقنع نفسه بعدم الذهاب للعمل اليوم بسبب المطر ورداءة الطريق .. بينما كان يردد في موال داخلي يتناسق مع خطواته المسرعة .. جاييك يا آدم .. جاييك يا آدم ..
اختطف صحن الأمس ذاته والذي تيبست على أطرافه بقايا فول آدم وانطلق نحو الدكان بينما كانت الشمس ترسل أشعتها الباهتة عبر بقايا سحب الليلة المطيرة ، ولم ينسى أن يصيح في أخيه أن يسارع بتجهيز صحن البصل والليمون والشطة ريثما أحضر الفول .
كان آدم في تلك اللحظات يقوم بترتيب أوضاع دكانه الصغير بعد أن تسببت الأمطار الغزيرة التي هطلت طوال الليلة في نشوب بعض الأضرار الخفيفة في سقف الدكان مما أدى إلى تسرب المياه إلى الداخل محدثة تلفاً مجدوداً في البضاعة .
وقف أمامه ملوحاً بالصحن وهو يصفر لحناً محبباً إلى نفسه بينما اتسعت رئتاه في عمق وهما تسحبان نفسًا عميقاً من نسيم الصباح العليل .
- يلا يا آدم ياخي .. عارفك حتقول شنو .. أدينا الفول خلينا نستمتع مع الزيفة السمحة دي.
لم يحرك آدم ساكناً .. وفي ذات اللحظة ارتفع صوت المذيع في إذاعة أم درمان في ختام نشرة السادسة والنصف وهو يعدد الذين انتقلوا للدار الآخرة وآدم يرفع يديه بالفاتحة على أرواحهم .
أوجس خيفة وهو يرى آدم لايزال يتشاغل عنه بما في يده .. ثم تحول هاجس الخوف إلى حقيقة ناصعة حينما إبتسم آدم إبتسامة واسعة جعلته يرى أسنانه لأول مرة ..
آدم ياخي أنا عارف ما عندك عيش ..ما داير عيش ياخي أديني الفول خليني أمشي ..
ازدادت ابتسامة آدم اتساعاً ..
ثم باغته بالضربة القاضية قائلاً ..
(( والله يا صلاح .. الليلة إيش في لكن فول ما في !!! )لم يستطع أن يستوعب الجملة .. شنو يا آدم قلت شنو ؟
(( والله الليلة مطر دة ما خلانا نوقد فحم عشان نسوي فول .. عشان كدة .. إيش في لكن فول مافي ) ..
أحس بخاصرتيه تضيقان حتى التصقتا تماماً .. ومن داخل أمعائه تناذر إحساس بشئ متكور يلتف حول أم تلافيفه ثم يتركها متجهاً نحو المصران الأعور مسبباً شعوراً عارماً بالموت ..
وفي لحظات .. أنطلق الصحن في الفضاء مكوناً دوائر لولبية لا متناهية ظلت تدور في فضاء الكلاكلة وهي تردد في ما يشبه المناحة .. فول في لكن إيش ما في .. إيش في لكن فول مافي ..إيش في .. فول في .. إيش مافي .. وانطلق صاحبنا خلفها وهو يقهقه صارخاً .. فول في .. إيش مافي .. أيش في لكن فول مافي .. في ..مافي ..ما .