صلاح هاشم السعيد
04-27-2008, 12:43 PM
إجراء تفسيري ـ إزدراء العقل ـ مدخل لفهم ثقافة الشايقية
ليس من المهم إثبات إدانه فكرية لبنيات الوعي التقليدية بتتبع مسارات المتوارث والمنقول في التركيبة الثقافية عند قبيلة الشايقية، لكن القضية الأهم في هذا السياق تتمحور حول الانتباه، وحول تحديد المسئولية وتحديد الأكثر فاعلية والأكثر سببية في إدارة الإقصاء وصيرورة المسكوت عنه من أدوات الوعي الجمعي (القمعية) في مواجهة المنتج المنتج المغاير المرصود لحراك الفكر الإبداعي، تلك هي المعضلة.!! فالأنماط الفكرية التي نحاول تتبعها مضمرة على خطورة تفعيل سياقاتها وأدواتها على مستقبل الشايقية والمنطقة عموماً.. فهي تكشف عن أنماط من التفكير تحمل استعداداً ذاتياً لتلقي القمع. بمعنى أن الذهنية المحلية تبتكر وتنشط أنماطاً فكرية متنوعة بقدر موازي للإستهلاك الذاتي للمنتج نفسه. وبهذا تكون "بوعي أو دون وعي" قد طورت آليه للتحطيم الذاتي، قد يصعب إدراكها أو تحييدها بفضح جوهرها وتحليل مفرداتها ولا يمكن بأية حال محاورتها أو نقد منهجها بعقلانية فكرية "ولو بحجم مقولاتها" إذ أنها في الأصل تزدري العقل وتجهض الفكر وتفترس المبدعين من أبنائها.
ومهما كانت الطبيعة الوظيفية لهذه الأنماط الفكرية ومهما حاولنا التحذلق والتمويه بالإلتفاف عليها، إلا أننا لا نستطيع إنكار وجودها، أو إنكار أثرها السيئ وإغفال دورها في تأسيس الجمعي لذهنية محلية إحتمائية منغلقة تهرب إلى التاريخ وتمتنع عن استشراف المستقبلي للمتطور المحلي، وترفض بقوة اللحاق بزمن المتغير الأكثر فعالية والأكثر سبقاً وتفوت بكل بساطة المعاصرة وثمرات الجدلية الحوارية لجغرافيا الثقافات المحلية والإقليمية المتاحة.
هذه الأنماط التي جرى استنساخها "فيما بعد" من إفرازات الماضي، حملت في أجنتها بذور الفناء ومخلفات المجتمع الرعوي. واستصحبت فيما استصحبت جدلية حوارية ذات طبيعة جسدية، كنوع من تمثل المغامرة وكأداة للإقناع والحسم العنيف. وهي كأشكال حوارية عنيفة (تفتقر لأبسط أدوات وإجراءات التبادل المعرفي) تطرح رؤية مغايرة عن آلية التفاعل الذاتي التبادلي المحلي بمعزل عن الآخر. وتفتح تساؤلات كبيرة عن قدرة النمط على الوفاء بمتطلبات العصر المتنوعة وعن عملية استيلاد بنيات الوعي الأساسية في ظل الظروف التاريخية التي وضعتها في البداية ووجهت مسيرتها في ظل التطور العام.
يجب أن نعي تماماً بأن الوعي بالتاريخ ضرورة تفرضها معاينة اللحظة الراهنة وأن المقولات والأفكار والأحداث التي صاغت وعينا في البدء كانت وليدة ظرفيها التاريخي والأقليمي وأن عملية استقراء الماضي واستلهامه لا تعني الاستنساخ أو الاسقاط على الواقع المعاصر وإنما هي محاولة لكشف العلائق المعقدة التي شكلت وعينا وصاغت موقفنا من التاريخ كوسيط وشريك فاعل في توجيه افعاله واتخاذ قراره وتحديد موقعه.
هناك ضرورة لأستدعاء الماضي "ليس بعيداً" عند نقد منهجية السائد وفضح الأوهام التي تتحكم بالمخيال التقليدي العام، فمعاينة التاريخ تعني استنطاق قوانينه، وتحليل رموزه، وفك شفرته أثناء عملية البحث والاستقصاء عن القسمات الفارقة، والمحركات الحقيقية الفاعلة في المنظومة الفكرية المحلية، وأثناء عملية البحث في الأنماط السائدة والمسيطرة في جدلية الواقع والفكر.
من الخطل وسوء التقدير إذن المطالبة بمحو الذاكرة، بمعنى الدعوة للإنصراف كلياً عن الماضي، على افتراض أن إقامة معابر بينه وبين الحاضر لا ينتج إلا لغواً وتراجعاً, فالمشكلة ليست في التاريخ، المعضلة الحقيقية في تأزم علاقتنا بالواقع، في أدوات الولوج في هذا الحاضر، وفي آلية الإنغماس الماضوية المستنسخة العاجزة عن معاينة ذاتها ناهيك عن معاينة الراهن.
لم تعد مغرية تلك الصورة (الدونكيشوتية) للفارس المتمترس أبداً لمناطحة الطواحين الهوائية, لم تعد تلبي إحيتاجات عصرها تلك الذكورية الماضوية المتكلفة في إرتكازية تامة الخشونة والجلافة وفي استعلائية تزدري العقل وتستخف بالآخر وتدفع كآلية بالفعل الإبداعي إلى مضمار النشاط النسوي.
وكأن الوجدان الجمعي في منطقة الشايقية تشكل بتكريس تام لمفاهيم الفروسية، كنسق عام ونمطية فكرية ثابتة لإدارة الصراع، وكإفرازة قوية لتربية نفسية ووجدانية ترسخت وترسبت في فترات الغزو والإحتراب كمظهر ـ ذكوري ـ هام ومنتج بدهي لحقب طوية غُيب فيها العقل وأُعيد سحقه بمستويات متعددة، تحت ضغط قتالي إقليمي، وتمترس إستعدادي (نفسي ومادي) مستدام. الأمر الذي أوقع المنطقة في ظرف استثنائي، وهيأ أرضية لتقبل وتبني مفاهيم إجتماعية محلية طارئة، لم يكن بموجبها الشايقي مُلزم بالفكر وتطوير قدراته المعرفية والإبداعية، بقدر إلزامه بفرسة وسلاحه وتطوير مهاراته ومناوراته القتالية والحربية. نقول نسبة لظروف محلية وإقليمية كانت سائدة لم يتمكن العقل من إحداث نقلة نوعية أو إحداث فرق مادي محسوس، يوازي الاحتياج المُلزم الحاد للقوة الجسدية والمهارة القتالية, وربما ليوازي الإحتياج النفسي لتحييد المشاعر ومحدودية العقل والفكر نفسه، كإرتكازة حيوية وضرورة ناشطة تغذي الشجاعة الفوضوية والشراسة اللاعقلانية المرعبة, مما أورث المنطقة نوعاً من العقلية الحدية التي لا تعرف الثنائيات القطعية، والتي تنتهي أبداً بالحسم الذي لا جدال فيه، فلا مكان هنا للقراءة المتدرجة والنظر في التفاصيل وتحديد المشكلة والوقوف على الإلتباس.
الشيخ محمد الشيخ في بحثه (المحتوى الفلسفي للفاعلية) الذي قدم بدعم من المركز العالمي للفيزياء النظرية بإيطاليا يقول ((الهدف الأساسي للتحليل الفاعلي هو الإرتقاء بفاعلية الإنسان إي بقدراته النفسية والحضارية ويتم ذلك عندما يتجاوز الإنسان حدود مهام وأغراض بنيتي الوعي البرجوازي والتناسلي، ويحقق بنية الوعي الخلاق.)) ولا أري أي إمكانية لتحقيق ذلك دون تفعيل العقل نفسه. إن تواضع العقل المُبعد كرديف لإنسحاق الإنسان، يبقى ويظل على مر العصور متلازمة ثابتة وإفرازة قوية وإنعكاسة تامة ومحتومة للإختزال. ما لم يتخطى الوعي الجمعي "دون قسر" حدوده المرصودة بجبرية التقليد. وحتى لا نعلن عن ولادة شائهة الصنع، تفصح عن تصور إعتباطي وعن قصور وجهل صفوي بتعقيدات وحساسية بنيات الوعي الطرفية، الموجودة أصلاً خارج التوصيف، فيما وراء المدرك لفعل التواصل وبنية الإشارات، وحتى لا نقع في الخطأ بإحداث متغيرات جذرية مفاجئة في بنية المجتمع التقليدية وفي محتوى الأنماط الفكرية والثقافية السائدة، متغيرات قد تعطي في فترات الانسحاق أسباباً ومشروعية لاستبعاد أنساق أخلاقية متوارثة دون أن تحل محلها قيم أخرى، فتؤدي (تأكيداً) بذلك إلى تحولات خطيرة في بنيات المجتمع الأساسية، علماً بأن فقدان أو إهتزاز أي من هذه البنيات الطرفية الفريدة، أو حتى مجرد تفاعلها أو إنبثاق مفرداتها خارج إطارها "وهي المنتجة على مدى قرون طويلة" تمثل خسارة فادحة للإنسانية، خصوصاً في ظل المصالح والراهن المحلي والإقليمي المتناقض. عموماً نحن الآن كمستقبل يضع أمام الحاضر مسئوليات في أمس الحاجة إلى تبني رؤى وطموحات ومفاهيم ومثل وقيم وأخلاقيات، قد ندركها بالبحث المتأني في متطلبات قيام واستمرارية بنيات الوعي الطرفية كثقافات ذات أبعاد إنسانية وحضارية إستطاعت أن تؤكد الحرية وتفرد ساحات للقبول والطمأنينة، وأن تستنبت واقع للأمن والسلام. ذلك على إفتراض حسن الظن بالوعي المؤسسي للمركزية الفكرية وإدراكها أو على أقل تقدير إلمامها بمتطلبات التعايش لا كما يقول بعضهم المتفائل (التمازج والإنصهار) .. هكذا ببساطة.. دون أو سابق معرفة يتحفنا بالمصطلحات الحالمة كل متفائل مرتجل من منظري الوسط ومفكري المدن الشتات. كذلك على إفتراض الوعي بأن المرجعيات الأساسية للطبيعي من المتحور الفكري "كإفرازة لا ضرورة" للإلتقاء أو التماس مع المجاور المختلف، خلال عملية الاستمرار باعتبار التنظيم واحتواء الذات والاخر أثناء عملية التدافع والاحتكاك في الحركية العامة للمجتمعات متعددة الثقافات (ومنها السودان) تكون في مجملها (مرجعيات متحورة ذاتياً لا مُحورة شرطاً) لمكونات محلية أو على أقل تقدير إستلهام لأفكار ومكونات ثقافية طرفية كإرتكاز واستصحاب لأنماط فكرية لها أن تسمو فوق عوامل التفرقة والتنافر والتباعد، وكقيم تستطيع السيطرة على دواعي الصراع والإحتكاك، في وقت أصبحت تعاني فيه أغلب التجمعات البشرية من تدخلات وتداخلات ومشاكل أخلاقية أفرزتها فترة المراهقة العلمية. فالبرغم من إمتلاك الآلة كسيادة، كتجلّ مختلف لسيطرة العقل، كتكريس للتحكم في مواءمة البعد المادي لمتطلبات الحاضر وكتحوير للمدرك من الشرط البيئي كي يتلاءم مع شرطي البقاء والإنتماء، إلا أن زمن تحرير العقل كاستحقاق لم يحن بعد. وكأننا في حاجة إلى هزة عنيفة، إلى استفاقة ما، تأتينا بشيء قوي وصادم حتى اليقظة، حتى التوقف عن كتابة اللحظة خارج الحكاية، خارج الزمن المحتوم للمتطور من حيث التمعن والنظر في المشروط لبداية.
يجب أن نعي أن هذه البنيات الطرفية في ظل تطورها الطبيعي العام وحتى في لحظات تأجهها وعنفوان انشطارها وتفاعلها، لا تجد أصلها ولا يتحقق نصها كمتغير إلا في غياب الحضور المكثف للآخر، في غياب الاختلاف، في قابلية وتبادلية الحياة المنعزلة لروح الوعي. مما يحتم على النمطية الإدارية تجاوز وصايتها الإيجابية على بنيات الوعي الطرفية إلى مشاركة عامة، تؤثر على الحياة المادية المحلية وتؤكد على ضرورة المتغيرات الوعيوية وأهمية المكتسبات التبادلية. سيظل العقل مداناً ما لم تتجاوز جغرافيا السياسات المركزية حدود المدن وما لم تعمل على تفعيل دورها المؤسسي في تبديل الحياة على صورة وقائع وفوائد مادية متينة ومحسوسة. سيظل وعينا العام يتخبط في ظلمات التقليد، ما لم يخرج لمعاينة الواقع، وما لم يحضر البعد المادي لفوائد العقل كمتعين في تبديل الحياة كـ(مردود متحصل) لفاعلية وقدرات العقل والفرد نفسه في مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
نحن في الشمال كغيرنا من بقية المناطق السودانية أحوج ما نكون إلى تفعيل العقل في سياقتنا الفكرية وفي عملياتنا الإبداعية والإنتاجية، وفي أمس الحاجة إلى إيجاد آليات جديدة، لها القدرة على تحريك بنيات الوعي التقليدية وتستطيع "كشرط" الاستجابة للواقع وتتفاعل مع تحديات العصر وتحديات النهضة والتطور، حتى لا نواجه خطر الفناء والإنقراض، وحتى لا نضطر لمواجهة القومية والكيانات العسكرية الجهوية في زمن التجمعات الفكرية والإقتصادية
ليس من المهم إثبات إدانه فكرية لبنيات الوعي التقليدية بتتبع مسارات المتوارث والمنقول في التركيبة الثقافية عند قبيلة الشايقية، لكن القضية الأهم في هذا السياق تتمحور حول الانتباه، وحول تحديد المسئولية وتحديد الأكثر فاعلية والأكثر سببية في إدارة الإقصاء وصيرورة المسكوت عنه من أدوات الوعي الجمعي (القمعية) في مواجهة المنتج المنتج المغاير المرصود لحراك الفكر الإبداعي، تلك هي المعضلة.!! فالأنماط الفكرية التي نحاول تتبعها مضمرة على خطورة تفعيل سياقاتها وأدواتها على مستقبل الشايقية والمنطقة عموماً.. فهي تكشف عن أنماط من التفكير تحمل استعداداً ذاتياً لتلقي القمع. بمعنى أن الذهنية المحلية تبتكر وتنشط أنماطاً فكرية متنوعة بقدر موازي للإستهلاك الذاتي للمنتج نفسه. وبهذا تكون "بوعي أو دون وعي" قد طورت آليه للتحطيم الذاتي، قد يصعب إدراكها أو تحييدها بفضح جوهرها وتحليل مفرداتها ولا يمكن بأية حال محاورتها أو نقد منهجها بعقلانية فكرية "ولو بحجم مقولاتها" إذ أنها في الأصل تزدري العقل وتجهض الفكر وتفترس المبدعين من أبنائها.
ومهما كانت الطبيعة الوظيفية لهذه الأنماط الفكرية ومهما حاولنا التحذلق والتمويه بالإلتفاف عليها، إلا أننا لا نستطيع إنكار وجودها، أو إنكار أثرها السيئ وإغفال دورها في تأسيس الجمعي لذهنية محلية إحتمائية منغلقة تهرب إلى التاريخ وتمتنع عن استشراف المستقبلي للمتطور المحلي، وترفض بقوة اللحاق بزمن المتغير الأكثر فعالية والأكثر سبقاً وتفوت بكل بساطة المعاصرة وثمرات الجدلية الحوارية لجغرافيا الثقافات المحلية والإقليمية المتاحة.
هذه الأنماط التي جرى استنساخها "فيما بعد" من إفرازات الماضي، حملت في أجنتها بذور الفناء ومخلفات المجتمع الرعوي. واستصحبت فيما استصحبت جدلية حوارية ذات طبيعة جسدية، كنوع من تمثل المغامرة وكأداة للإقناع والحسم العنيف. وهي كأشكال حوارية عنيفة (تفتقر لأبسط أدوات وإجراءات التبادل المعرفي) تطرح رؤية مغايرة عن آلية التفاعل الذاتي التبادلي المحلي بمعزل عن الآخر. وتفتح تساؤلات كبيرة عن قدرة النمط على الوفاء بمتطلبات العصر المتنوعة وعن عملية استيلاد بنيات الوعي الأساسية في ظل الظروف التاريخية التي وضعتها في البداية ووجهت مسيرتها في ظل التطور العام.
يجب أن نعي تماماً بأن الوعي بالتاريخ ضرورة تفرضها معاينة اللحظة الراهنة وأن المقولات والأفكار والأحداث التي صاغت وعينا في البدء كانت وليدة ظرفيها التاريخي والأقليمي وأن عملية استقراء الماضي واستلهامه لا تعني الاستنساخ أو الاسقاط على الواقع المعاصر وإنما هي محاولة لكشف العلائق المعقدة التي شكلت وعينا وصاغت موقفنا من التاريخ كوسيط وشريك فاعل في توجيه افعاله واتخاذ قراره وتحديد موقعه.
هناك ضرورة لأستدعاء الماضي "ليس بعيداً" عند نقد منهجية السائد وفضح الأوهام التي تتحكم بالمخيال التقليدي العام، فمعاينة التاريخ تعني استنطاق قوانينه، وتحليل رموزه، وفك شفرته أثناء عملية البحث والاستقصاء عن القسمات الفارقة، والمحركات الحقيقية الفاعلة في المنظومة الفكرية المحلية، وأثناء عملية البحث في الأنماط السائدة والمسيطرة في جدلية الواقع والفكر.
من الخطل وسوء التقدير إذن المطالبة بمحو الذاكرة، بمعنى الدعوة للإنصراف كلياً عن الماضي، على افتراض أن إقامة معابر بينه وبين الحاضر لا ينتج إلا لغواً وتراجعاً, فالمشكلة ليست في التاريخ، المعضلة الحقيقية في تأزم علاقتنا بالواقع، في أدوات الولوج في هذا الحاضر، وفي آلية الإنغماس الماضوية المستنسخة العاجزة عن معاينة ذاتها ناهيك عن معاينة الراهن.
لم تعد مغرية تلك الصورة (الدونكيشوتية) للفارس المتمترس أبداً لمناطحة الطواحين الهوائية, لم تعد تلبي إحيتاجات عصرها تلك الذكورية الماضوية المتكلفة في إرتكازية تامة الخشونة والجلافة وفي استعلائية تزدري العقل وتستخف بالآخر وتدفع كآلية بالفعل الإبداعي إلى مضمار النشاط النسوي.
وكأن الوجدان الجمعي في منطقة الشايقية تشكل بتكريس تام لمفاهيم الفروسية، كنسق عام ونمطية فكرية ثابتة لإدارة الصراع، وكإفرازة قوية لتربية نفسية ووجدانية ترسخت وترسبت في فترات الغزو والإحتراب كمظهر ـ ذكوري ـ هام ومنتج بدهي لحقب طوية غُيب فيها العقل وأُعيد سحقه بمستويات متعددة، تحت ضغط قتالي إقليمي، وتمترس إستعدادي (نفسي ومادي) مستدام. الأمر الذي أوقع المنطقة في ظرف استثنائي، وهيأ أرضية لتقبل وتبني مفاهيم إجتماعية محلية طارئة، لم يكن بموجبها الشايقي مُلزم بالفكر وتطوير قدراته المعرفية والإبداعية، بقدر إلزامه بفرسة وسلاحه وتطوير مهاراته ومناوراته القتالية والحربية. نقول نسبة لظروف محلية وإقليمية كانت سائدة لم يتمكن العقل من إحداث نقلة نوعية أو إحداث فرق مادي محسوس، يوازي الاحتياج المُلزم الحاد للقوة الجسدية والمهارة القتالية, وربما ليوازي الإحتياج النفسي لتحييد المشاعر ومحدودية العقل والفكر نفسه، كإرتكازة حيوية وضرورة ناشطة تغذي الشجاعة الفوضوية والشراسة اللاعقلانية المرعبة, مما أورث المنطقة نوعاً من العقلية الحدية التي لا تعرف الثنائيات القطعية، والتي تنتهي أبداً بالحسم الذي لا جدال فيه، فلا مكان هنا للقراءة المتدرجة والنظر في التفاصيل وتحديد المشكلة والوقوف على الإلتباس.
الشيخ محمد الشيخ في بحثه (المحتوى الفلسفي للفاعلية) الذي قدم بدعم من المركز العالمي للفيزياء النظرية بإيطاليا يقول ((الهدف الأساسي للتحليل الفاعلي هو الإرتقاء بفاعلية الإنسان إي بقدراته النفسية والحضارية ويتم ذلك عندما يتجاوز الإنسان حدود مهام وأغراض بنيتي الوعي البرجوازي والتناسلي، ويحقق بنية الوعي الخلاق.)) ولا أري أي إمكانية لتحقيق ذلك دون تفعيل العقل نفسه. إن تواضع العقل المُبعد كرديف لإنسحاق الإنسان، يبقى ويظل على مر العصور متلازمة ثابتة وإفرازة قوية وإنعكاسة تامة ومحتومة للإختزال. ما لم يتخطى الوعي الجمعي "دون قسر" حدوده المرصودة بجبرية التقليد. وحتى لا نعلن عن ولادة شائهة الصنع، تفصح عن تصور إعتباطي وعن قصور وجهل صفوي بتعقيدات وحساسية بنيات الوعي الطرفية، الموجودة أصلاً خارج التوصيف، فيما وراء المدرك لفعل التواصل وبنية الإشارات، وحتى لا نقع في الخطأ بإحداث متغيرات جذرية مفاجئة في بنية المجتمع التقليدية وفي محتوى الأنماط الفكرية والثقافية السائدة، متغيرات قد تعطي في فترات الانسحاق أسباباً ومشروعية لاستبعاد أنساق أخلاقية متوارثة دون أن تحل محلها قيم أخرى، فتؤدي (تأكيداً) بذلك إلى تحولات خطيرة في بنيات المجتمع الأساسية، علماً بأن فقدان أو إهتزاز أي من هذه البنيات الطرفية الفريدة، أو حتى مجرد تفاعلها أو إنبثاق مفرداتها خارج إطارها "وهي المنتجة على مدى قرون طويلة" تمثل خسارة فادحة للإنسانية، خصوصاً في ظل المصالح والراهن المحلي والإقليمي المتناقض. عموماً نحن الآن كمستقبل يضع أمام الحاضر مسئوليات في أمس الحاجة إلى تبني رؤى وطموحات ومفاهيم ومثل وقيم وأخلاقيات، قد ندركها بالبحث المتأني في متطلبات قيام واستمرارية بنيات الوعي الطرفية كثقافات ذات أبعاد إنسانية وحضارية إستطاعت أن تؤكد الحرية وتفرد ساحات للقبول والطمأنينة، وأن تستنبت واقع للأمن والسلام. ذلك على إفتراض حسن الظن بالوعي المؤسسي للمركزية الفكرية وإدراكها أو على أقل تقدير إلمامها بمتطلبات التعايش لا كما يقول بعضهم المتفائل (التمازج والإنصهار) .. هكذا ببساطة.. دون أو سابق معرفة يتحفنا بالمصطلحات الحالمة كل متفائل مرتجل من منظري الوسط ومفكري المدن الشتات. كذلك على إفتراض الوعي بأن المرجعيات الأساسية للطبيعي من المتحور الفكري "كإفرازة لا ضرورة" للإلتقاء أو التماس مع المجاور المختلف، خلال عملية الاستمرار باعتبار التنظيم واحتواء الذات والاخر أثناء عملية التدافع والاحتكاك في الحركية العامة للمجتمعات متعددة الثقافات (ومنها السودان) تكون في مجملها (مرجعيات متحورة ذاتياً لا مُحورة شرطاً) لمكونات محلية أو على أقل تقدير إستلهام لأفكار ومكونات ثقافية طرفية كإرتكاز واستصحاب لأنماط فكرية لها أن تسمو فوق عوامل التفرقة والتنافر والتباعد، وكقيم تستطيع السيطرة على دواعي الصراع والإحتكاك، في وقت أصبحت تعاني فيه أغلب التجمعات البشرية من تدخلات وتداخلات ومشاكل أخلاقية أفرزتها فترة المراهقة العلمية. فالبرغم من إمتلاك الآلة كسيادة، كتجلّ مختلف لسيطرة العقل، كتكريس للتحكم في مواءمة البعد المادي لمتطلبات الحاضر وكتحوير للمدرك من الشرط البيئي كي يتلاءم مع شرطي البقاء والإنتماء، إلا أن زمن تحرير العقل كاستحقاق لم يحن بعد. وكأننا في حاجة إلى هزة عنيفة، إلى استفاقة ما، تأتينا بشيء قوي وصادم حتى اليقظة، حتى التوقف عن كتابة اللحظة خارج الحكاية، خارج الزمن المحتوم للمتطور من حيث التمعن والنظر في المشروط لبداية.
يجب أن نعي أن هذه البنيات الطرفية في ظل تطورها الطبيعي العام وحتى في لحظات تأجهها وعنفوان انشطارها وتفاعلها، لا تجد أصلها ولا يتحقق نصها كمتغير إلا في غياب الحضور المكثف للآخر، في غياب الاختلاف، في قابلية وتبادلية الحياة المنعزلة لروح الوعي. مما يحتم على النمطية الإدارية تجاوز وصايتها الإيجابية على بنيات الوعي الطرفية إلى مشاركة عامة، تؤثر على الحياة المادية المحلية وتؤكد على ضرورة المتغيرات الوعيوية وأهمية المكتسبات التبادلية. سيظل العقل مداناً ما لم تتجاوز جغرافيا السياسات المركزية حدود المدن وما لم تعمل على تفعيل دورها المؤسسي في تبديل الحياة على صورة وقائع وفوائد مادية متينة ومحسوسة. سيظل وعينا العام يتخبط في ظلمات التقليد، ما لم يخرج لمعاينة الواقع، وما لم يحضر البعد المادي لفوائد العقل كمتعين في تبديل الحياة كـ(مردود متحصل) لفاعلية وقدرات العقل والفرد نفسه في مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
نحن في الشمال كغيرنا من بقية المناطق السودانية أحوج ما نكون إلى تفعيل العقل في سياقتنا الفكرية وفي عملياتنا الإبداعية والإنتاجية، وفي أمس الحاجة إلى إيجاد آليات جديدة، لها القدرة على تحريك بنيات الوعي التقليدية وتستطيع "كشرط" الاستجابة للواقع وتتفاعل مع تحديات العصر وتحديات النهضة والتطور، حتى لا نواجه خطر الفناء والإنقراض، وحتى لا نضطر لمواجهة القومية والكيانات العسكرية الجهوية في زمن التجمعات الفكرية والإقتصادية