المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحكومة الخفية لهذا العالم القلق الاعمى


التجانى محمد مدير
03-24-2008, 11:26 AM
بعد النشوة وبريق الانتصار الذى احست به واشنطون بعيد الحرب العالمية الثانية ، إزدهرت كل الممكنات والمستحيلات من الغرائز والافكار والاحلام فيها .
اثمرت الصناعة والاسلحة والموسيقى وشركات النفط ومكاتب الجريمة والنشر والسينما والكازينوهات وحلق الخيال الامريكى مجنحاً ومرفرفاً ومزدهياً بلقب الدولة الاولى ، حتى فكر جاداً وبالتزام خفى وشرير لحكم الدنيا والسيطرة على العواصم والجيوش والقرارات وليس هناك ما يدعو للتاجيل بعد سقوط الرايخ وبيع أطفال الالمان نياشين الآباء القتلى والجرحى والاسرى فى شوارع برلين لقوات الحلفاء ثمناً للالحفة ومبادلتها بالطعام من الساردين الرخيص ومعلبات بقايا المعارك والاحزان بعد إستسلام امبراطورية الشمس المشرقة وإنهيار المحور وتلاشى الخلافة .
ومن المكاتب التى قتلها الحكام الحقيقيون بحثاً لاداء دور السيطرة القابضة على دول العالم ... مكتب التحقيقات الفيدرالى (( F.B.I. )) وهو مكتب خطير له ادوار ومهام شهيرة اغلبها غير مسطور او كما يقول علماء الفقه الاسلامى ( مسائل مسكوت عنها ) فهو من غير مراقبة الجريمة المنظمة ، فى الولايات المتحدة والمجرمين من اهل الرشاشات والافكار المتمردة ، فهو مسئول عن ( امريكا الداخل ) ومصالحها بالخارج .
ويذكر له فى هذا الشأن عام 1953 بالتحديد اجهاض حركة مصدق الوطنية بإيران وتنصيب الشاه وقهر ثورة الفرس المسلمين وقهر حلمهم بمعتقدهم ونفطهم .
كما يوثق انهم ( احضروا نورييقا عنوة وسط دهشة العالم واعتقاله مثل صعاليك الحوارى فى حانة امريكية رخيصة مستهترة ) وهذا المكتب هو البطل البشع فى تدبير اغلب إنقلابات العالم الثالث وإجهاض الوطنى منها مثلما تباهو كثيراً بكسر شوكة الوطنيين فى الكنغو وإغتيال المناضل الافريقى باتريس لوممبا الذى سماه شعراء التحرر ( بالجرح الافريقى الاخضر الحزين ) .
أشهر من هذا المكتب الخطير رجله القوى المؤسس ( جون ادقار هوفر ) المسمى تخفياً ودلعاً ( جى ) فقط ، هذا الرجل المثير للجدل ولد مديراً يوم ولد المكتب لذا فهو الوحيد العارف بالمرامى والاسرار والادوار من وراء الكواليس .
بعض عبقرية ( جى ) انه كان يشتم ويرى بعلمه اللدنى القيادات القادمة فى الولايات المتحدة وخارجها خاصة فى الدول المؤثرة فى أوربا وآسيا وافريقيا .
لذلك فان جزءً مقدراً من مجهوداته كانت تدور حول سقطات القادمين ، فكل المبرزين فى الكليات الامريكية المختلفة وخاصة كليات القانون المشهورة بتفريخ القادة كانت تحت عينه السحرية تماماً مثل هارفاد واخواتها فهو يعلم ان هذه الكليات المفرخة لقيادات الغد يجب ان تكون تحت النظر تماماً وبحرص ودقة .
كانت عيونه وكاميراته وتسجيلاته ووثائقه وراء كل نجم ترصد سقطاته ونزواته وحريته الشخصية حتى اذا ما إستوى وأينع وتمكن ... تمكن ( جى ) من إصطياده فى لقاء يبدو لطيفاً حتى اذا ما إنتصف فتح ( ملفاته ) الخطيرة .
( ورأيت فيها كلما ظننته أيها الضحية المسكينة بأنه كان مجرد لهو برئ وممارسة لحرية الشاب حين لا تراقبه الاخلاق بعد إغلاق الابواب .. والامسيات ) .
كان ( جى ) يفتح الملف أمامك دون ان ينبس ( ببنت شفة ) وحين يقف مؤذناً بالانصراف تكون الشخصية الامريكية الحاكمة مهما كان قدرها مجرد قطعة شطرنج فى مربع ( هوفر ) اللعين .
ومن الحكايا الطريفة المخيفة التى حكاها سكرتير نيكسون انه قال فى احد الايام :( إن هذا الرجل العجوز يجب ان يذهب وسنعطيه ما يريد مزرعة فضفاضة فى تكساس وطائرة واموالاً طائلة ) إبتسم سكرتيره ( تحت الكم ) ولم يزد ولم يعلق ، وحدد له موعد إفطار مع ( جى ادقارد هوفر ) ، ادخله سكرتيره وإنتظره تحت البناية على مقود السيارة ، ودخل نيكسون أكثر الرؤساء الامريكيين ثقافة وهو ممتلئ عجباً وزهواً بانه سيبعد (مستر جى ) فى ( رمشة عين ) أو فى المدى مابين الغمضة والإنتباهة ، قضى معه ساعتين وحين نزل وفتح باب السيارة صاح فى سكرتيره ( هذا الرجل يجب أن يبقى ) .
سأله السكرتير فى دهشة : ولماذا هذا التراجع وبهذه السرعة ؟ لم يجب عليه ولكنه لم ينقطع عن ترديد جملته الشهيرة ( نعم هذا الرجل يجب أن يبقى ) .
ويمكنكم ان تتصوروا معى ماذا فعل ( جى ) وماذا رأى عزيزنا ( نيكسون ) على يديه .

أشهر ما يقال عن مكتب التحقيقات الفيدرالى و ( هوفر ) انه شارك فى إزاحة ( جون كينيدى ) بقرار الرصاص الشهير ، أو انه شاهد الصورة ( كاملة الالوان ) دون ان يعتد بالضحية والجزار حتى اسدل الستار و ( كأن شيئاً لم يكن ) ، ومن الإشارات الغامضة والدامغة فى إدانته أن روبرت كينيدى شقيق الرئيس القتيل والمدعى العام قاطع ( هوفر ) تماماً حتى اغتيل هذا ومات ذاك .
أهم ماوجده ( جى ) من تكريم انه اعطى كما اراد ( اول إعفاء فى الدنيا من نوعه يحميه من التقاعد وهو ما لم يكتب لموظف خدمة مدنية فى العالم قاطبة ) وهو بإختصار كما وصفه احد كبار المراقبين بانه وعد ممهور بأن الرجل اصبح بهذا الإعفاء ( ملكاً متوجاً ) وأن مكتب التحقيقات الفيدرالى أصبح ( مملكة ) لا تساءل فى مناخ يدعى الحرية والديمقراطية والإختيار .
ولانه كذلك فقد صمت صمت القبور على كل مناشط المافيا فى امريكا ورجالها وتطلعاتها واموالها وحكوماتها الخفية رغم ضجيج الصحافة وغزارة الدماء والمؤامرات ، فقد قدم لها اسرار ملفاته الخطيرة فاصبحت ( الحكومة الخفية ) هذه لا تهدد الحكام ليسكتوا فقط وإنما اصبحت هى التى تقدم الذين تنطبق عليهم ( شروط الصمت فى كل البلاد المؤثرة من العالم ليحكموا ) .

ولان سر قوة الرجل فى ملفاته فقد صنعت له ( المافيا ) ملفاً خاصاً وثقت فيه مواهبه الدامغة ، فالرجل الاعزب القوى الذى عاش مع امه وحيداً كان ( شاذاً ) لذلك فقد ألجمه سلوكه عن مجرد الهمس برجال ( المافيا ) وجرائمها وفظائعها ، وقد إبتسم أحد عتاة قياداتهم حين صرح ( جى ادقار هوفر ) يوماً متبرعاً ( بأن المافيا هى موجودة فقط فى أخيلة الصحافيين ) وعلق عراب المافيا قائلاً :
We gave him a taste of his own medicin بصراحة كان ملفنا ضد كل ملفاته وبالسودانى (أعطيناه السم القدر عشاه).
أخطر ما فى الأمر أنه وفى يوم شاحب متوجس الأسارير وجد (جى ادقار هوفر ) بارداً وميتاً على مكتبه عام 1974م قبل فضيحة ووتر قيت وشيع تشييعاً رسمياً مهيباً ، ليس غريباً أن يموت رجل فى قامة ( جى ادقار هوفر ) وخطورته وشذوذه فالأعمار بيد الله ولكن الغريب والمثير جداً أن كل ملفاته الخطيرة والقاتلة إختفت تماماً وانكرت كل الجهات المشهورة معرفتها بها أو بمكان وجودها الحقيقى أو حتى المحتمل .
وهذا يعنى بإختصار أن ملفات الفضائح عن صفوة الساسة الامريكيين ورؤساء الدول فى أوربا والشرق الأوسط هى الآن فى كف عفريت ، وهى إن لم تكن حقيقة فى يد أمريكا فهى فى أيدى ( الحكومة الخفية ) لهذا العالم القلق الأعمى

وأخيراً هل علمت عزيزى القارئ لماذا يصمت الحكام حين تصرخ كل الجراح التى تدعوهم للتمرد والثورة والإنعتاق ؟؟؟


(نقلاً عن جريدة ألوان العدد 2876 بتاريخ الثلاثاء 11 جمادى الثانى 1425هـ الموافق 27 يوليو 2004م .)