مشاهدة النسخة كاملة : نسخة جديدة لتمر الهبوب
خالد البدوي بابكر
08-29-2011, 06:19 PM
تمر
الهبوب
النخلة وما أدراك ما شجرة النخيل. تلك الشجرة المباركة التي ارتبط بهاوجدان أهلنا في الشمال، خبروها وخبرتهم، أعطتهم الكثير في زمن كان طعمه من طعمثمارها الحلوة. تبدأ مراحل العطاء في تؤدة وتمهل وكبرياء وحساسية مفرطة. يتابعأهلنا هذه المراحل باهتمام منذ البداية ويتابعون شجرتهم الحبيبة بكل الحنان والحب.تبدا المرحلة الأولى في منتصف و أواخر ديسمبر بالنخيل الضكر.. ذلك الفحل القويالخشن في مظهره، مع تباشير الشتاء يبدأ بإنتاج اللقاح في شكل زهرات صغيرة، تتحورتدريجيا ليغطيها جراب صلب تنمو بداخله حبوب اللقاح ويراقبه العيون الحادبة صباحومساء. وهناك تكون النخلات الأنثيات الرقيقات قد أزهرن أيضا وتزيّنّ وفتحنقلوبهنّ استعداداً لاستقبال اللقاح الميمون. وهنا تسمع عبارات ألفتها الآذان يرددهاهواء أمشير في عشرة الراعي (ذاك القرض الحسن الذي تهبه أم شير لأختها طوبة كلّ عام)تسمع عبارتي التمر جبّد، والضكر فقس. وهنا يأتي دور القفّاز المتخصص في عمليةتلقيح النخيل، ليقوم بقطع جرابات الضكر وفتحها و رص السبلات الحاملة لحبوب اللقاحالمشبّعة بالدقيق، وربطها بخيط نسيج الجراب المتين في ربط صغيرة، يحملها في كيس منالقماش، (خرتاية الضكر) ويصعد بها نخلةً نخلة مهما بلغت من الطول، ليبث في قلبهاوزهراتها المتفتّحة من إكسير الحياة.. هو الرجل النحلة قفّاز النخلة وصاحب السبيطةالأولى من كل نخلة عند الحصاد..
في تلك القرية الوادعة على ضفاف النيلفي ضواحي مدينة عبري (المحس) فتح الطفل مجذون عينيه على بواسق النخل وخضرة الجروففي منزلهم اللبن (الطين) المطلّ على النيل .. الحياة في غاية البساطة والناس يعيشونفي نعمة الرضا بالكفاف .. مستوري الحال .. لا قيل ولا قال .. المنزل علي بساطتهواسع الفناء مكون من غرفتين تتوسطهما برندة و المطبخ (الدونكا) أمامه الراكوبة (اللقدابة) وبداخله تربيزة خشبية متوسطة الحجم فوقها كل احتياجات المأكل والمشرب منصوان وصحون .. وكبابي الشاي والكفتيرة والبراد ، لها رف خاص متبت على الحائط فوقالتربيزة .. السقف مرق من الدوم تثاقلت فوقه فلق النخيل و نسيج الجريد والنعالالطين المخلوط بالأسد الذي هو بقايا درس القمح (النوريق) و فوق النعال عدة بلطاتعبر السنين من الزبالة من روث البهائم المخمّر مع الطين .. تثاقلت الحمولة على مرقالدوم المسكين فأطلق زفرات من أنين أحسّ بها حسن والد مجذوب فدعمه في الوسط بشعبةالسنط (الأمينة) .. وبجوار الأمينة الصابرة على مرّ السنين حبال من ألياف جزعالنخيل (العشميق) تدلت مفتولة من أعلى لتتفرع في شكل مظلة من الأسفل تشكّل مبيتامريحا لحلة الملاح .. ذاك هو
المعلاق ويسمونه (المشلعيب) في مناطق تتقلّب فيهاالحروف .. و بجانبه آخر
أكثر جمالا مصنوعا من ضفيرة سعف الدوم تبيت فيه قرعةاللبن الحليب بعيدا عن متناول اللصة برة الجيران ..
نخرج من الدونكا للفناءالفسيح .. هناك في الركن القصي إستراحتان مستراحتان .. بين بيت الأسرة و الديوان .. و يالوجع أمّ العيال إذا صحا طفل في جوف الليل وفي عزّ الشتاء القارس لقضاء حاجة .. و الكبير في هذا الزمان تلزمه ركشة ليستريح ..
وتحت شجرة المانجو الظليلة جلسأفراد الأسرة الصغيرة .. الوالد حسن محمد خلبل عاد يحمل جرابان كبيران من الضكرةالفوق الجدول فقسا مبكّرين واستحقا القطع و التربيط .. بعد الغداء والشاي جلسالوالد وإبنيه الكبير محمود والصغير مجذوب .. جلس الوالد أرضا مفترشا التقروقةالبالية و أمامه الصينية الكبيرة .. بالمنجل المسنن شقّ جرابي الضكر وطرح حصيلتهمافي الصيينية فامتلأت لأمّ عينها تبارك الخالق . وبدأ في إعداد و ربط الضكر بحرصشديد .. والمحمود والمجذوب يمدانه بخيوط الجراب بعد سلخها بسنانهما .. وهنالك فيزاوية أخرى أمام اللقدابة جلست أمّ العيال زينوبة ومعها بنتيها رحاب وسحر وقد أمسكتكلّ منهنّ بالإبرة والخيط تحيكان أكياسا صغيرة من الخرق البالية (الدلاقين) .. فالعنبة الوحيدة في القرية تحتاج هذه الأكياس لتقي ثمارها (التي بدأ ماؤها يحلوّ) من نقدات العصافير .. هذه العنبة جلبها عمّ الصغار أحمد من مصر حيث يعمل في المهجرفي القناطر الخيرية . كان ذلك قبل ثلاثة أعوام في عطلته السنوية . وهو في كل عاميعود مع أسرته الصغيرة المكوّنة من زوجته الفلاحة البيضاء الجميلة فردوس وبناتهالثلاث فريال وهدى ونور .. وكان يجلب معه الهدايا لأفراد أسرة أخيه الوحيد حسن . وخاصة ملابس الشتاء من الصوف والكستور و الأحذية الجلدية .. وكان حضورهم عيدا كبيرالأسرة عمّهم وخاصة الصغير مجذوب .. حيث كان يحب اللعب مع بنت عمّه الصغيرة نور . وتعلمه ألعابا جديدة .. تعلّم لهجتها المصرية الحلوة مثلها بلكنته النوبية حيث الكلهنا برطنون ومعظم أهل القرية لا يتحدّثون العربية إلا قليلا .. لكن المجذوب تعلّمبفضل نور الصغيرة التحدث بالعربية بطلاقة تفوق بها على كلّ أقرانه في المدرسة . وأصبح ترتيبه الأول بلا منافس ..
أكمل حسن و إبنيه إعداد الضكر ، و أدخله فيالخرتاية و أدخل الخرتاية في جوال من الخيش ورفعه فوق اللقدابة في انتظار القفّازخليفة إبن المناصير الذي استوطن معهم في القرية فأصبح القفّاز الأول في القرية ، وله منافس ضعيف هو عويس ود الحلب الذي لا يرغبه أحد من أهل القرية إلا اضطرارا ،حينيعجز خليفة ود المناصير . وحمل حسن و إبنيه أكياس العنبة وخرجوا لحمايتها من الطيور .. وكانت شخاليب العنب كثيرة وكبيرة . وحين تنضج يذوق كلّ الجيران والحبّان طعم العنب ، و الفائض منها يجفف ذبيبا لرمضان
خالد البدوي بابكر
09-09-2011, 04:56 AM
2
لم يكن النخيل هو الشاغل الوحيد لأهل القرية (عبري كونج) وتعني جنوب عبري .. لكن النخيل هو الثروة الرئيسية .. وقد اشتهر المحس بالعجوة الجيّدة
ياعجو المحسالتقيل فدع العراجين
إنتمابيدوك لي زولا مســـيكين
إلا واحدا نخلو مشتول في البساتين
وامتلاكهم للنخيل هو عزّتهم وفخرهم وثروتهمويمتد النخيل من طرف الجروف حتى بداية الحقول حيث زراعة القمح والفول والذرة الشامية (عيش الريف) أما أنواعالتمور فهي القنديلة والتمودة والبركاوي والعجوة التي يتغنون بها
.. عجوة القنديلة عسليميمنا
(عجوة القنديلة أحلى من العسل)
خايف يسحروك عسليميمنا ..
عريس بروي فير عسليميمنا
(فارس الأحلام المنتظر)
جينا ننحننوك عسليميمنا ..
جوه حوش أبوك عسليميمنا
(شي بالعربي وشيئ بالنوبي)
أمّا تمر العجوة التقيل فهو روما وهو قليل ولايبيعونه ولكن فقط للأكل والهدايا ..
وبعد التمور نأتي حقول القمح مساحات كبيرة نسبياحيث يمتلك الفرد من فدانين لثلاثة فدادين .. وتتقسم المساحة بين القمح والفولوالذرة الشامية والبرسيم ..
وهم مثل معظم أهل شمال السودان يعانون من ضيق الأرضمما جعلهم يهاجرون داخل السودان معلّمين في المدارس الأولية (الأساس) والمتوسطة .. وقد أجادوا اللغة العربية تماما مع لكنة في اللسان لاتزول مع الزمن .. والشاهد أنّشاعر السودان الأول خليل فرح (عزّه في هواك) واحد من هؤلاء القوم ..
(معبدصادنقا و صولب وسيسه صاي وعماره غرب وآثار مملكة كوش القديمة )
هذه ثروة أخرىمنعتهم الطيبة والكرم الفيّاض من استثمارها .. كثيرون الخواجات السواح وعلماءالآثار الواردون إلي المنطقة لرؤية الآثار الممتدة من عصر الفراعنة (أربعة آلاف سنةقبل الميلاد وحتى مملكة كوش) .. وكان واحد فقط من المقيمين بالقرية يعرف شيئا مناللغة الإنجليزية ، يناديه أهل القرية للتفاهم معهم ليقدموا
لهم واجب الضيافة .. وفي مرة من المرات في أواخر رمضان ، جاء الفتى مجذوب رسولا إلى الترزي محجوبليخبره أنّ عددا كبيرا من الخواجات قد نزلوا ضيوفا في منطقة الآثار و أنّ أهلالقرية في انتظاره ليتفاهم معهم ويدعوهم إلى ديوان العمدة لتقديم واجب الضيافة .. ولكن الترزي إعتذر عن الحضور بسبب أنّه يخيط للناس جلابيب العيد و أنّه مشغول ولاوقت لديه يضيعه في الفارغة .. و لم تكن هذه أول مرة يفعلها الترزي .. إغتاظ الفتىمجذوب تلميذ الصف الثاني إبتدائي من الأسلوب الرديئ الذي ردّه به الترزي خائبا وأسرّها في نفسه .. أقسم الغتى مجذوب أن يجرّد الترزي اللئيم الذي كان يعمل طبّاخامع المستعمرين الإنجليز .. لم يرجع مجذوب لأهله ليخبرهم بأن الترزي قد خزلهم وتقاعسعن المهمة ، بل ذهب مباشرة للمنطقة الأثرية حيث حلّ الضيوف الأجانب .. سلّم عليهم (هلو هلو هلوووو) واقتادهم بلباقة إلى ديوان والده المليئ بالأسرّة والكراسي .. وبعد أن قدّم لهم الماء البارد من الزير القناوي بكبابي الشوب القابعة في فضية أمّهولم تغادر من قبل أن يولد .. ثمّ سألهم بالإشارة إن كانوا يريدون أكلا .. وفهمأنّهم يحملون معهم من المعلبات ما يكفيهم .. فأسرع و أحضر لهم كمية من الخبز (الرغيف البلدي) من صنع أمّه (زينوبة) وملأ جردلا كبيرا من عصير اللارنجا من الشجرةالنابتة بروز أمام دارهم .
و أكل الخواجات وشربوا العصير والشاي المنعنع من يدزينوبة التي كانت في غاية السعادة وفرحة بتصرف إبنها الذي كانت ترى في عينيه ذكاءاونبوغا .. وبعد أن خلد الضيوف الفرنجة رجالا ونساءا (لا فرق) للراحة .. أطلق مجذوبساقيه لديوان العمدة حيث الجميع ينتظرون حضور الترزي محجوب مع الضيوف .. دخلعليهم سأله العمدة .. لمّا
:: فين مهجوب الترزي وفين الخواجات ياولد ؟؟
// محجوب مشغول رفض الحضور قال عنده جلاليب لازم تلحق العيد ..
:: طيب إنت رهت فينكل الوكت ده ماجيتش راجع كلّمتنا ليه ؟؟؟
// ياعمده أنا رحت للخواجات وعزمتهم وجبتهم في الديوان بتاع أبوي و أكلوا و شربوا وناموا كمان ..
::يا ابن الكاااالب كلّ ده عملته ونحن قاعدين منتظرينك زي الطراطير ؟؟؟ وكيف قدرت تتفاهم مع الجماعةالنصارى دول ؟؟ يابن الإيييييييه !!!!!
أشار مجذوب لرأسه وقال :ـ
//هنا في مخ يا عمده مش في فردة جزمة .. (يا لجرأة الصغير)
وضحك الحاضرون مما جعل العمدةيغتاظ من الصغير ويتحرك نحوه بعصاه .. وهنا وقف حسن معترضا العمدة . وقال له : ــ
""الولد كتّر خيرو ما عمل هاجة بطّال .. وتفاهم مع الضيوف و أكرمهم ..
:: روح ياولد خليهم يجو ينزلوا هنا في ديوان العمدة بلاش كلام فارغ ..
// لكنياعمدة أنا ما بعرف إنجليزي . تعال إنت واتفاهم معاهن ..
:: شوف لماضة الولدكمان ياحسن .. روح جيب الخواجات زي ماجبتهم لبيتكم الخرابة .. وبعدين هم أدوك كامجنيه عشان تأجر لهم الخرابة بتاعة أبوك ..
// وهم حيدوك كام يا عمده عشان ناخدمنهم نص اللكانوا حيدوهولك في الصرايا بتاعة أبوك العمدة الكبير ..
كأنما صبّ المطر على رؤؤس الجميع .. يا لهذا الصغير الشقي الشجاع فقد فضح أمر العمدة الذي كانيؤجر ديوانه للسواح ، والكلّ يعتقد أنّه يكرمهم ، بل كانوا يشاركونه في الكرم بجلبالفاكهة و الهدايا من المصنوعات اليدوية من أطباق و طواقي وفوط مطرّزة .. والعمدةيشيل ويبيع للسواح ..
لم يستسلم العمدة و أرسل الحرس ليحضروا الترزي ويذهبوا به لديوان حسن ويحضروا الضيوف لسرايا العمدة .. ولكن الخواجات رفضوا وقالوا أنّهمأحبّوا الديوان المطّل على النيل ، كما أحبوا مجذوب الصغير ..
ولازمهم مجذوب لمدة أسبوعين وتعلّم الكثير من لغتهم و أصبح يتفاهم معهم بسهوله ووعدوه أن يرسلواله الكثير من وفود السوّاح .. وكان أحدهم يمتلك شركة تعمل في مجال السياحة ..
ومنذ ذلك الوقت أصبح السواح عند حضورهم يبدءون خارطة طريقهم ببيت الصغير مجذوب ...
و ضاع العمدة شمار في مرقة ..
وعند مغادرتهم دسوا في جيب الصغير مجذوب حفنة من الدولارات تكفي بيتهم لحول كامل ..
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 03:58 PM
3
بعد مغادرة الخواجات أصبح للفتىمجذوب شخصية و صيت عند أهل القرية وبين أقرانه ومعلميه في المدرسة .. كان الناظرعباس يناديه كل صباح ليدردش معه بالعربي وبعض الإنجليزية المكسّرة . وكان مجذوبيصححه أحيانا ولكنه تعلم منه الكثير من الكلمات .. وفي عطلة المدرسة سافر مجذوبلخاله في الخرطوم حيث تلقى كورس مكثّف في اللغة الإنجليزية من معلّم خاص لمدة شهر .. عاد بعده لتصادف عودته حضور ستة من السواح الرجال ومعهم سيدتين . جاءوا مباشرةمتتبعين خريطة يحملونها لبيت مجذوب .. رحب بهم الفتى مجذوب و أكرمهم غاية الكرمكمافعل مع سابقيهم ..
وبعد أن خلد الخواجات للراحة ، ومجذوب بجانبهم يخدّمعليهم و يهيئ لهم سبل الراحة ، سمعوا ضجيجا مزعجا في الخارج وطرقات عنيفة علي بوابةالمنزل .. خرج مجذوب ليشهد عددا من العسكر يقتحمون البيت .. وأمه تصيح و سيارةكبيرة تقف أمام الباب .. أمسك الجاويش بالطفل وطلب منه أن يخرج الأجانب و يأتي معهملأنهم مطلوبين في المركز .. وكانت أمه ما زالت تولول وتندب حظها و والده غائب فيالحقل .. تحدث مجذوب مع أمه وطلب منها الهدوء لأنه لم يرتكب خطأ وسوف يعود و معهضيوفه بعد أن يتحروا معهم و أخبرها أنّه يحسّ أنّ العمدة قد دبّر هذه المكيدة ..
و دخل على الخواجات و أخبرهم بالأمر فخرجوا معه بعد أن أخذوا معهم أوراقهم منجوازات وتصاريح من وزارة السياحة ومصلحة الآثار .. وهناك في قسم الشرطة علموا أنّالعمدة قد فتح بلاغا يتهم الفتى مجذوب فيه بالإخلال بأمن البلد والتآمر مع الأجانبلسرقة الآثار .. وطلب ضابط المركز من الخواجات إبراز التصاريح والأوراق الثبوتية ،وبعد الفحص أطلق سراحهم .. وحقق مع الفتى مجذوب ..
:: إنت ياولد إيه علاقتكبالخواجات دول ؟؟
// والله يا جنابو الخواجات دول همّ اللجو لغاية عندي ونزلواعندي ضيوف و أكرمتهم . :: و ليش ينزلوا عندك إنت بالذات هو إنت عينوك عمدة البلد ولّلا شيخها ؟؟
// والله جنابك ممكن تسألهم أنا ما عزمتهم .. همّ لوحدهم جو لغايةعندي ونزلوا عندي ضيوف ، يمكن علشان عرفوا أنا بعرف إتفاهم معاهم بالإنجليزي .. أصلو قبل كده نزلوا عندي خواجات برضو وهم اللكلموا الجماعة دول ..
::وانت ياولد من فين إتعلمت الإنجليزي ؟؟
//ولله جنابك إتعلمتو فهلوة .. هو في قانونيمنعني إتعلم إنجليزي ..
:: لا يا شاطر مافيش قانون يمنعك .. عفارم عليك .. (وفي هذه اللحظة دخل العمدة مزمجرا)
“شوف جنابك العيّل ده عايز يجنني .. بدلما الضيوف كانوا ينزلوا عندي في السرايا بتاعتي ، أصبحوا ينزلوا في الخرابة بتاعةأبوه ..
::شوف يا عمدة ، همّ أحرار يختاروا المكان اللينزلوا فيه على كيفهم .. وبعدين تعال ياعمدة إنت فتحت بلاغ كاذب ضد الولد الصغير ده ، وعملت إزعاج للسلطات .. وده في حدّ ذاته جريمة يعاقب عليها القانون .. وانت عمدة و المفروض إنك عارفالقانون كويس .. و انت ياولد لو كنت عايز تفتح بلاغ ضد العمدة أنا دلوكت أختّو ليكفي الحراسة ..
// عيب يا جنابو ده عمدتنا ومكانه فوق راسنا كيف نشتكيه !!! بسناخد عليه تعهد تاني ما يعمل كده ..
::والله إنّك إبن حلال فعلا ، تعال ياعمدةأكتب تعهد بعدم التعرض للولد ده مرة تانية.
و رجع المجذوب لأمه و أبيه منتصرا .. واستحق أن تذبح له وليمة ..
كان أبوه قد عاد غاضبا من فعلة العمدة و مصرّا أنيأخذ بثأر ولده بيده .. ولكن مجذوب أثناه عن ذلك ، وحكى له كيف أنّ العمدة بجسمهالكبير قد صار قدر حبّة السمسم أمام المامور في المركز .. وكيف أنّه شفع له عندالمامور حتى لا يدخله التمنة (الحراسة) .. و أنه أخذ عليه تعهد بأن لا يتعرض له مرةأخرى .. ففرح الوالد حسن بولده وتوجه إلى الزريبة و أحضر خروفا ذبحه .. و أكلالخواجات لأول مرة معهم من الشواء الطازج وشاركت الخواجيات زينوبة في عمل الشية .. و شاركهم الجيران الوليمة وفرحة الإنتصار على العمدة ..
مكث الخواجات معهمعشرين يوما وغادروا بعد أن أغدقوا على الفتى أكثر من سابقيهم ..
كان التمر فيمرحلة الهرود وما أدراكما الهرود من تمر المحس القلاد .. الهرود يسقط في مرحلة نموالبلح الأخضر ليتيح الفرصة لرفيقه المزدحم في السبيطة لينمو و في هذه المرحله يكونالماء المرّ في الدفيق (المرحلة التي يكون فيها البلح أضرا) قد بدأ مرحلة التحولللحلاوة فيكون طعمه مستثاقا .. وتجد الصبية الصغار يهرعون للقيط الهرود ، يأكلونويضعون بعضه في جيوب العراريق الدمورية .. وفي هذه الفترة كل العراريق تكون قدتلونت بصبغة الهرود الداكنة التي لايزيلها ماء ولا صابون ولا حتى بنزين حيث لا يوجدكلوركس . وحتى الكلوركس يعجز لو كان موجودا.. وتتعب الأمهات من الغسيل و الهرج بلافائدة ..
أما الفتى مجذوب فقد ترفّع عن أكل الهرود في هذا العام ، ولبس الأرديةالأفرنجية من هدايا الخواجات من أردية وقمصان وبناطلين ما طالها ناظر المدرسة .. وأصبح الكل يناديه (مجذوب أفندي)
أسرّ المجذوب لوالده بفكرة راقت لوالده وشرع فيتنفيذها فورا .
وتمر شهور مابعد اللقاح (القفوزة)للنخلة الملكة التي يعمل الجميع المقيمين في البلد خداما لها رجالا ونساءا و صبية . تلك الشهور التي تكشر فيها الصحراء الكبرى عن أننيابها فترمي ساكنيها بوابل من الحرالسموم ، جفاف في الهواء والأرض والنيل والضرع والجيوب .. أبريل ، مايو و اليونيوصيفية لازعة تعقب نفحات طوبة وهواء أم شير و حنان برمهات .. فلا يصدق المرء من فرطالحر و السموم أنها ستعود مرة أخرى .. يزرعون الصيفية نعم ولكن ضيق الأرض يجعلالحصيلة قسمة بين الناس والبهم والحمير فلا تكاد تسد رمقا لحد الكفاف ..
ثم يأتيشهر يوليو بطعم المبقّع و أم راس والنصف الحلو (من اللا نصها) يعقبه النصف الأصفرليفدّر العشراقة السكّرية .. والمشرق والمدينيّة ، ما أدراكما المشرق والمدين معترمس حاجة مدينة المنفّخ .. عليك أن تحترس و أنت تفسّخ وتقذف به داخل الفم المجربنمن اصطدامه بالحلق فتختنق بدلا من أن يقيك من عشراقة المشرق .. وبعدها تروي الظمأإنبطاحا فوق حافة الجدول العكر .. و ما أحلى الطعم العكر وطعم الطين .. لهو أكبردليل على أنّ الأصل فينا طين ..
والطاب من الجريد الأخضر والعرجون نشقق منهأربع طابات بطول عشرين سنتيمترا ذات وجهين أخضر قد تشوبه صفرة و وجه أبيض ناصع . ونقذف الطابات الأربع فوق الرمل الممهد بأكفنا الصغيرة .. ويا لحظ من يحظي (بالستا) ذات الوجوه الأربع الخضر من الطابات فيكون عمدة اللعبة .. أما شيخها المخضرم هو (الأربش)صاحب الوجوه الأربع البيض . يليه (الولد) صاحب الثلاث البيض وواحدة خضراءفهو (في أغلب ظني) منفّذ الأحكام .. ومن تنعكس عنده الطابات ثلاث خضر وواحدة بيضاءفهو (التلّي) .. ويا لسوء حظ من تتساوى عنده الألوان (اليوم) فيومه أسود فهو يتلقيالجلد على يديه بالجريد والعرجون ..
بإنقضاء يوليو ودخول شهر أغسطس والحر نارتسفر عن هِبوب رياحٍ قوية يصحبها غبار يكاد يحجب الرؤيا تماماً وعادة ما تأتى تلكالرياح ليلاً ، حينها يستعد الجميع للإستيقاظ باكراً فتلك الرياح تحت التمر حتى تظنأن لا فضل فيه .. و قبل الفجر ترى الكل مسرعا الى تمرالهبوب، الشايل القفة والشايل الشوال وأهم شى البطارية فإنلم تكن ذات ضوء قوى فقد يقع ما لاتحمد عقباه وربما تعود بحصيلة وافرة من مخلفاتالصبار و الجمال .
فى أيام الزمن الجميل لا يتقيد أحد بجمع تمرالهبوبمن تحت نخيله فقط فالعرف آنذاك أن تمرالهبوبحق مشاع وأحق الناس به من لا تمر له ويحضرنى هناعندما الكبار يغرسون الفسيلة (الشتلة) يرددون بسم الله ، بسم الله ، لى السراق ولىالمحتاج ولى الصرمان ولى الجعان . ما أحلاها من أيّام !!! كانت البلد جميلة و سمحةو مليئة بالخير و الخيرات ارتبط بعضها بالنيل الخالد فيضاناً و انحساراً و ارتبطالآخر بالنخلة تلك الشجرة المباركة المعمّرة التي يستمر نفعها لسنوات عديدة و ينتفعبها زارعها حياً كان أو ميتاً ..
ما قبل حصاد التمر يأتي موسم ( تمرالهبوب ) هبة و منحة من الخالق الرازق للصبية و النساء دونغيرهم و لعل مما يزيد من أهمية تمرالهبوبأنه يأتيبعد شهور مجدبة تعقب موسم حصاد القمح و الفول ( مايو و يونيو ) هذه الشهور الجافةهناك ؛ فالآبار تقطّ و مثلها الضروع و الجيوب ( معلمين الله)
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 04:02 PM
4
ونرجع للفتىمجذوب ..
بعد أن غادر الضيوف الخواجات أصبحت الحصّالة مليئة ، خاصة وأنّ الوالدكان رجلا بيسيطا وزاهدا لا يهتم كثيرا بالمال و التجارة و الإستثمار .. و لكن الفتىمجذوب صاحب العقل المتفتح تفتّقت قريحته عن فكرة تطوير مصدرالرزق الجديد ، و اقترحعلى والده أن يقوم ببناء منزل جده الذي أصبح بعد وفاة الجد والجدة مرتعا لدابةالأرض و انهار سقفه .. إقترح عليه أن يهدم المنزل الخرابة ويبنيه على الطراز النوبيلما عرفه عن ولع السواح بكل ما يتعلق بالتراث النوبي القديم . وأن يجعلوا منه فندقاصغيرا لإقامة السواح مماسوف يدر عليهم عائدا كبيرا ..
راقت الفكرة للوالد ولكنكان متخوفا من أن تجر عليهم متاعب الترخيص والبلدية والصحة و العمدة ... إلخ .. وبعد نقاش طويل وافق الوالد على فكرة استقلال نصف المساحة (نصيب والده في الميراث) على أن تكون مفتوحة على فناء الديوان . و أن ينزل السواح عندهم و كأنهم ضيوف بلاتحديد لسعر إقامتهم . وكما قال الوالد (في النهاية القاسمها ربنا نحن راضين بيها). و بدأ الفتى يرسم ويخطط على كراسات المدرسة .. وكانت الفكرة أن يتم بناء ستغرف بالحجر وكذلك السور الخارجي . ويراعى في البناء أن يكون على الطراز القديم بكلزخارفه .. والباب الخارجي يكون باب سنط كبير يعلوه قوس مطرّز من حشب السنط أيضا .. وكذلك أبواب الفرندات والغرف يعلوها القوس السنطي المطرّز ..
وبدأ العمل الدؤوب ...
بدأ العمل بطرح المنزل القديم (منزل الجدود) أرضا لتشكل مخلّفاته ردمية عالية .. ونزل الحجر السون الأبيض والحجرالأسود بكميات كبيرة جدا جعلت أهل الحي وخاصة المقرّبين من العمدة بإطلاق شائعاتكثيرة .. فمنهم من يقول أنّ الفتى مجذوب قد وجد كنزا أثريا في جولاته مع الخواجات .. ومنهم من يقول أنّه احتال على الخواجات و استنزفهم أو سرقهم .. ولكن الكل كانيعتقد أنّ مجذوب ووالده قد أثروا ، و أنّهم فقط يجدّدون بناء بيتهم ليباهي سراياالعمدة ..
وبدأ البناء تحت إشراف مهندس مصري متخصص جاء به أحمد (عممجذوب) من القاهرة بعد أن كتب له أخوه بإيعاذ من فتاه النجيب .. جاء العم من مصرصحبة زوجته الفلاحة والبنات الثلاث محمّلا بالهدايا كالعادة وبصحبته مهندس المشروعوعدد من العمال من صعيد مصر ..
ولم يبخل مجذوب ووالده على الضيوف وأكرموا وفادتهم بالوجبات الشهية والشواءات من لحوم الضأن ، حيث قام والد مجذوببشراء سبعة من الخراف و كان يذبح خروفين كل جمعة تكفيهموضيوفهم لأسبوع .. و اشترواثلاجة أكبر من ثلاجة العمدة تعمل بالجاز الأبيض . وكانت الكهرباء لم تدخل بعد ، ولاتوجد في البلد سوى ثلاجتين واحدة عند العمدة و الأخرى عند أحد تجار المحاصيل ..
جلس الفتى مجذوب مع المهندس المصري وطرح له الفكرة والخرطة لبناءالبيت النوبي .. تعجّب المهندس العجوز من ذكاء الفتى وبشر والده بأن سيكون لإبنههذا شأن عظيم .. و بدأ العمل في البناء حيث حدّد المهندس موعد التسليم بعد شهر واحد . وهاهم العمال الصعايدة قد بدأوا يعملون اليوم جلٌه كالنحل مما أدهش أهلنا المحسوجاءوا من كل أنحاء المنطقة يستطلعون ..
نور على نور يشعّ فوق وجهنور .. و يا لجمال وحلاوة بنت العم نور ..تبلورت و ما عادت تلكم الطفلة التي كانتتلاعب الفتى مجذوب .. حاول الفتى أن يستعيد الذكريات و قدم الدعوة لعمّه و زوجتهالفلّاحة وبناتها لرحلة ترفيهية في مناطق الآثار .. و أعدّ الرحلة باستئجار حافلةوشراء خروف مع تبعاته .. و في الرحلة وجد فرصة الإنفراد بابنة عمّه و أسرّ لهامباشرة في رغبته في خطبتها من عمّه .. فقالت له أن لامانع ولكن ما زلنا صغار .. واتفقا على أن يحعلا العهد بينهما ولا يفصحا عنه في الوقت الحالي .. لكن الفلاحةأمّها لاحظت وعرفت بعد استجواب الفتاة الصغيرة
و قالت لمجذوب :ـ لوكنت شاري بنت عمك تيجي مصر وتاخد لها شقة هناك في مصر، هو انت فاكر إنّها حتقدرتعيش معاكم هنا ..
ردّ عليها الفتى بسرعة وثبات قائلا بلهجتهاالمصرية :ـ لا يا مراة عمي ، لو كانت بنت عمّي شارياني تيجي تعيش معاي هنا .. هوانت انت فاكرة أنا حا اسيب مصالحي و اهجر بلدي علشان ولية ؟؟ . على كلّ حال لسهبدري على الحكاية دي نأجل الموضوع ونسيبو للزمن..
هاهو البناء قداكتمل فعلا خلال شهر واحد ، و أصبح معلما كبيرا من معالم البلد .. فقد كان عالياوجميلا بطرازه النوبي من الخارج .. بينما كان من الداخل حديثا ببلاط أرضيتهالسراميك و أحواضه الرخام التي لا مثيل لها في البلد .. أما الدواليب فكانت داخلالحيطان مطلية بنفس لون الحائط الأبيض المشوب بزرقة .. والأسرة من خشب السنط قدشكّلت أرجلها بشكل الحق (بضمّ الحاء) وبعضها بأشكال أثرية ..
إنتهىالبناء و التـاسيس وانتهت معه الحصيلة . و ما أن سافر المهندس وعماله ، والعم أحمدو أسرته ، جاء وفد كبير من السواح ..
وهكذا استمرّ ورود السواح على فترات متقطعة غالبا ما تكون في فصلالشتاء . ولكن زيارة واحدة لوفد معتبر من السواح خلال العام كله ، كانت كافية لجعلأسرة المجذوب تعيش في بحبوحة طوال العام ، إذ كان إيراد البيت النوبي أضعافمايجنونه من محصول التمور .. واستمرّ الحال علي أحسن مما يكون . و لم يترك المجذوبجده و اجتهاده في الدراسة والتحصيل وخاصة اللغة الإنجليزية .
وهاهو المجذوب قدأكمل المرحلة الثانوية و أحرز نسبة عالية تؤهله للوصول لمبتغاه الذي هو دراسة اللغةالإنجليزية في الجامعة .. وكان لابدّ من السفر للخرطوم . وجلس مجذوب مع أخيه الأكبرمحمود والذي كان قد اكتفى بإكمال المرحلة الثانوية والعمل مع والده في الزراعة .. وخطط المجذوب أن يتولى أخوه محمود إستقبال السواح وقد كانت لغته قد صقلها الإختلاطمع الأجانب من السوّاح وبمقدوره القيام
بالمهمة بسهولة ويسر .. بينما فكّرالمجذوب أن يستفيد من تواجده بالعاصمة لخلق العلاقات معالسواح القادمين عبر المطارو يعمل على تنويرهم و تعريفهم بالمنطقة ثمّ إرسالهم لأخيه .. و هكذا تكتمل الحلقة ..
وبينا هما جالسين يخطّطان لمستقبل الأيام ، فاجأهم صوت الوالدة تصيح ( ياابومروّة ألحقوني يامحمود يا مجذوب أبوكم مااااات .. ) وكانت قد حملت له كوبا منالشاي لتجده قد فارق الحياة .. و كانت الأحزان كبيرة تنفّسها الفتى مجذوب وإخوته ووالدتهم زينوبة و اعتصروها ألما في القلوب .. ومضت أيام العزاء كئيبة ..
وسافرالمجذوب للتقديم للجامعة مع خاله ذاك الذي ما برح مقيما بالخرطوم . وكان قد حضرللعزاء .. و في صبيحة اليوم التالي من وصولهم للخرطوم ، خرج المجذوب مع ابن خالهلسوق السجانة لتقضية الوقت مع بعض الأقارب الذين يعملون في السوق . و كان قد ارتدىجلبابه البني المطقّم بالطاقية والشال .. وهناك في السوق ويينما المجذوب ورفيقهجالسين مع بعض أقرانهما يتآنسون داخل دكان داؤود منجّد المراتب المحسي ، دخل عليهمأحد أقربائهم و كان يعمل سمسارا .. وسلّم الرجل على المجذوب بحرارة وأخذه جانباليخبره بأنّ هناك شركة ماليزية تعمل في مجال البترول ومديرها خواجة إنجليزي ، و هذهالشركة تجري معاينة الآن لاختيار موظف في مجال العلاقات العامة و شجّعه على الذهابفورا لدخول المنافسة .. و أخبره أنّ المنافسة سوف تكون في إجادة اللغة الإنجليزية .. خرج معه الرجل السمسار و أركبه تاكسي وصف لصاحبه مكان الشركة و قال لصاحبالتاكسي :ـ تودي الولد ديه وتنتظره لحد ما يخلّص المعاينة و بعدين تجيبو لي راجعهنا و حيديلك تلاتين جنيه . إبن الإيه عندو فلوس بالكوم .. بعدين شوف يامجذوب ، لوأخدوك في الشركة الأجنبية ديه أنا حقي برّه ، ميّة جنيه الجنيه يحك الجنيه ، مش حااتنازل عن مليم واحد يلّلا شدّ حيلك وانطلق التاكسي إلى مدينة الرياض حيث مقرّالشركة ..توقف التاكسي عند باب الشركة وترجّل مجذوب و دخل الصالة الكبيرة حيثيجلس المتنافسون على الوظيفة وكان عددهم كبيرا يتجاوز المائة شاب وكلّهم يرتديالبنطال و القميص ورباطات الأعناق التي لا يعرف المجذوب كيف يربطها .. جلسقليلا و بدأت المعاينة و كانت المعاينة تجرى في نفس الصالة و أمام أعين الجميع، حيث جلس الخواجة المدير في ركن الصالة و اصطفّ المتنافسون على الكراسي يحملونمظاريف شهاداتهم الجامعية ويصلحون ربطات أعناقهم .. و بدأ جمع المتنافسين يجلسونأمام الخواجة محاولين إظهار مهاراتهم اللغوية ولباقتهم و المجذوب حائرا في سببجلوسه ولا شهادات و لا مظهر و لا حتى عمره يتناسب مع الوظيفة .. وفجأة قرر الخروجمن هذا المأزق لاعنا خاش السمسار واليوم اللعرفو فيه .. و تحرك نحو باب الخروج فإذابه يسمع الخواجة يصيح :ـ هاي قاي .. كوم هيّر (يعني يا ولد هوي .. تعال هني ..) إلتفت مجذوب ليتأكد من أنّه المقصود ، فأومأ الخواجة مؤكدا .. إتجه مجذوب نحو منصةالمعاينة .. فسأله الخواجة أسئلة متتالية (من أنت ولماذا جئت إلى هنا و لماذا ترتديهذا الجلباب ، و أين شهاداتك ؟؟) أجاب مجذوب بطلاقة ولباقة حيّرت الحاضرون حوله .. قال للخواجة :ـ (أنا حضرت بالأمس فقط من قرية في شمال السودان إسمها عبري لعلكقد سمعت بها يا سيّدي فهي منطقة أثرية يقصدها من بلادكم السوّاح و المهتمون بالآثار، وقد كانت لي علاقات طيّبة مع هؤلاء السواح و كنت أستضيفهم في منزلنا ، وتعلمتمنهم الكثير غير إجادة اللغة لإنجليزية ..)
ضحك الخواجة وقال :ـ ( أنت مجذوب ،أليس كذلك ؟؟ كيف حال بقية الأسرة .. وكيف حال عمدتكم)
تذكّره مجذوب جيّداً )مستر مايكل) كان مع أول وفد يستضيفه يوم انهزام العمدة أمامه وهو صغير يافع ..
قام الخواجة وسط دهشة الجميع وطلب منهم الإنصراف لأنّه اختار الفتي أبو جلبابملوّن للوظيفة ..
و اعترض ضابط برتبة لواء كان قد حضر مع ابن أخيه ليتوسّط له .. و خاطب مجذوب مباشرة :ـ (إنت جايي من وين يا مقطّع وين شهاداتك ؟؟ إنت ما قريتفي الإعلان بتاع الوظيفة دية إنو طالبين شهادات جامعية ؟؟ يلّلا روح أطلع برّه بلاشفوضى معاك)
و خاف المجذوب و توجه نحو الباب لولا أنّ الخواجة أمسك بيده و أجلسهو تحدّث مع
اللواء وعرف منه أنّه يريد الوظيفة لابن أخيه الذي يرى أنّه أكفأ منهذا الفتى المقطّع .. وفي اللحظة قرّر الخواجة أن يمتحن الشابين تحريريا . ومنيتفوق على
رفيقه يفوز بالوظيفة .. و وافقه الضابط على الفور وهو واثق من أنّ ابنأخيه الخريج المخضرم سيفوز بالوظيفة .. ولسوف نرى ..
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 04:05 PM
5
.دخل مستر مايكل مكتبه وحرر ورقة الإمتحان .. وخرج إليهم بعد خمسدقائق يحمل الورقتين .. الإمتحان مكوّن من عشرة أسئلة .. والإجابة بنعم أو لا ..جلس المتنافسان و المستر مايكل واقف أمامهما وقد حدد لهما الزمن بخمس دقائق فقط .. كان السؤال الأول :ـ (هل تمت إدانتك في جريمة تخلّ بالشرف والأخلاق ؟؟)
أجاب مجذوب بلا (طبعا) أما إجابة منافسه المهندم فكانت نعم ..
ضحك مستر مايكل و أخذ منهم ورق الإختبار .. وخاطب سعادة اللواءقائلا :ـ
سعادتك إبنك يقول أنه أدين في جريمة مخلّة بالشرف و الأخلاق .. فهولا يلزمنا ..
ما كان من سعادة اللواء (بعد أن قرأ إجابة ابن أخيه) إلّا أن صفعالمسكين صفعة دوّى صدى صوتها أرجاء القاعة .. وهنأ الفتى المجذوب بفوزه بالوظيفة وأعطاه كرت زيارة طالبا منه أن يزوره في بيته ..
كانت الوظيفة مكسبا كبيرا للمجذوب، فهي وظيفة علاقات عامة تتيح له حرية الحركة ومتابعة الجامعة . وهي تتيح له أيضافرصة اللقاء بالكثير من الأجانب وإرسالهم لأخيه في عبري حيث البيت النوبي و الآثار .. هذا بالإضافة للراتب الكبير الذي يفوق ضعف راتب خريجي الجامعات في الشركاتالوطنية ..
سرعان ما تأقلم الشاب النوبي على الوظيفة بمساعدة مستر مايكل ،وذاك الصديق اللدود اللواء شرطة عبد المحمود . فقد أصبح مجذوب صديقا لأسرته المكونةمن زوجته وثلاث بنات ، وقد كانوا من تلك القبائل النازحة من شمال الوادي المستوطنةفي دنقلا منذ زوال دولة المماليك في شمال الوادي . ويسمونهم (حلب دنقلا) وما همو منحلب .. كان المجذوب يزورهم على الدوام ويقدّم لهم الكثير من الخدمات . وكان سعادةاللواء يصفه بالإبن الذي وهبه الله له و لم يلده .. وكان أيضا يدرس البنت الصغرىسُها (أولى ثانوي) مادة اللغة الإنجليزية .. كانت بيضاء ، حلوة و ذكية .. و و و لمينس عهده مع ابنة عمه لكنه بين نارين أبردهما بعيدة ..
إستفاد مجذوب أيّما فائدة من علاقات صاحب السعادة وخاصة في مصلحةالجمارك و ما أدراك ما التخليص الجمركي والحاويات ..
أما بالنسبة للجامعة فلم تواجهه صعوبة إطلاقا .. كان يتابعالمحاضرات الفائتة من دفاتر زملائه و المراجع التي كان يشتريها أحيانا من الجامعة وأحيانا يطلبها له مستر مايكل من لندن مباشرة .. وكان البرنجي في دفعته بلا منافس ..
كتب لعمّهيخبره بأوضاعه المتحسنة ، ويطلب منه يد إبنته نور .. وجاءه الرد مننور
نور نفسها (بإملاء من مراة عمه الفلّاحة) تطلب منه ترك السودانوالعيش معها في مصر بعد تخرجه .. و أنّه سوف يجد العمل في مصر أفضل منه في السودان ..
ومزق الخطاب ولم يرد عليه أبدأً أبداً ...
تخرج المجذوب بامتياز في جامعة النيلين / كلية الآداب / قسم اللغةالإنجليزية . وما زال مستمرا في العمل مع شركة البترول الماليزية التي أوشكت فترةتعاقدها مع الحكومة السودانية على الإنتهاء ..
أما تلميذته النجيبة سها ، فقدنجحت بتفوق في امتحان الشهادة وأحرزت مجموعا أهّلها لدخول كلية الطب جامعة الخرطوم .. و أهداها والدها سيّارة (كليك) على الزيرو .. وأهداها المجذوب عقدا لؤلؤا متلألئا وساعة ذهبية و دبلة الخطوبة .. وأهدته صورتها ليضعها في محفظته..
إستمرت علاقة المجذوب مع اللواء وأسرته حميمة ، فقد كان فعلا إبنا بارا للواء وحرمه وأخا خلوقا لبناتهم .. كان دائمايؤدي أي عمل يكلّفه به سعادة اللواء بأمانة و صدق .. كثيرا ماكان يكلّفه بشراء أوإصلاح المعدات الكهربية و أثاث المنزل وحاجياته الأخرى . وكان المجذوب قد خبر السوقتماما بحكم وظيفته مما جعل سعادة اللواء يرتاح له ارتياحا شديدا مما جعله يطلب منهأن يكون زوج المستقبل لابنته الصغرى طالبة الطب . إذ لم يخف على الوالد الودّالمتبادل بين ابنته والمجذوب ، ففاتح ابنته بالأمر في البداية ولمّا وجد منهاالقبول فاتح المجذوب فرحّب وفرح ..
سُها وما أدراكما السها ؟؟؟ هل تعرفون معنى كلمةسها ؟؟؟
أعتقد أنّها مجموعة من النجوم البعيدة مما جعلها تبدو متراصّة وصغيرة في حجمها وشكلها أقرب للمجرّة أو قل الثريا . و هكذا كان طبعها وطابعها .. صبوحة المحيّا ، وضيئة الوجه ،أنيقة المظهر والملبس ، ممشوقة القوام . بينماالفتى الريفي لم يكن يهتم بمظهره كثيرا .. فقد كان اهتمامه بالجوهر أكبر ، يتمتع بالأمانة والمروءة وحبّ خدمة معارفه و أهله .. لم يكن وسيما وقد تجسّدت فيه الملامحالنوبية بشدّة .. كان قصيرا نحيفا قمحي اللون ، عيناه صغيرتان وأنفه دقيق .. على كلحال فقد كان جذابا محبوبا لكل من عرفه وتعامل معه بالرغم من أنّ الإنطباع الأول لمنيراه للوهلة الأولى يكون دائما لا يعكس حقيقة روحه الطيّبة ..
إستمرّ المجذوب و علاقته الحميمة بأسرة اللواء (الذي أحيل للمعاش) لم تتبدّل ولم تتغيّر ، و حضر معهم زفاف البنتين الكبريين مشاركا بجهده وماله كمالوكان أخا حقيقيا لهما . وغادرت العروستان لبلاد المهجر وبقيت على الحجر سها ..
و واصل المجذوب جهاده على محاور شتى . أولها مهنته القديمة كمرشدسياحي ،
فقد طوّر علاقاته مع الأجانب باقتحامه للمواقع السياحية علىالإنترنت وعرض خدماته التي تعدت منطقة عبري إلى دنقلا العجوز والبركل ونوري والكروومروي الجديدة والقديمة والنقعة والمصوّرات .. وقد صار إسمه معروفا لكلّ الأجانبالمهتمين بالحضارة النوبية القديمة .. يتصلون به عبر الماسنجر ليستقبلهم في مطارالخرطوم ويرسلهم لأخيه في عبري و أحيانا كثيرة كان يسافر معهم إلى المناطق الأخرى ،ثمّ صار يرسلهم لمندوبين عيّنهم في كل المناطق الأثريّة ..
تخرجت الطبيبة الجميلة فاستبدل المجذوب الكليك القديمة بأخرى جديدة، بينما ظلّ هو يعتلي سيّارته الأمجاد التي حاولت الطبيبة الحسناء دفعه لتغييرهالزوم المظهر ولكن هيهات .. فقد كان يستفيد منها في حمل بعض الأغراض إذ كان يمارسأحيانا شراء وبيع بعض المعدات من الشركات والمنظمات المغادرة للبلاد ويبيعهاللشركات الأخرى والأفراد .. كما كان أحيانا يستقلّها في ترحيل السواح من المطار إلىالفنادق في وسط المدينة ..
كان جلٌ أصدقاء الفتى المجذوب من كبار مديريوموظفي الشركات التي يتعامل معها .. وكان أقربهم إليه المدير المالي لشركة كان معظم تعامله معها .. أحبّ الرجل وتعمّقت صلته به وكان يقضي له بعض احتياجاته تطوّعاويزوره في منزله أيام الجمع والعطلات ليشاركه الإفطار بالقراصة . وكان يحكي له كلّ أسراره ويستشيره في كثير من أموره .. و في صباح ذات يوم كان يجلس بجانب الرجل ذاتهرنّ جرس جواله الصاخب فابتسم وقال :ـ ده أبو النسب . (سعادة اللواء) قام وتحرك مبتعدا قليلا كعادته حين يتلقى محادثة هامة .. و ما أن ردّ على الهاتف ، لاحظ الرجل أنّه منزعج ويلملم حاجياته للمغادرة .. أمسك به الرجل وسأله عن سبب انزعاجه .. فأجاب
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 05:35 PM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد البدوي بابكر http://albrkal.com/vb/images/styles/greendeluxe/buttons/viewpost.gif (http://albrkal.com/vb/showthread.php?p=280557#post280557)
6
:ـ
سها سها خطيبتي عملت حادث بالعربية و الآن في العناية المكثّفة .. ياساتر يارب .ياربي تحفظها لشبابها .. ياربي تهوّن عليها وعلينا . وهرعا بسيارةالمدير المالي إلى المستشفى ... ياستار. أستر عليها وعلينا ..
ما أن وصل المجذوب حتى تلقاه سعادة اللواء بالأحضان وهو يبكي .. ثمّ قال له بعد أن أعطاه مفتاح منزله وخزانته الخاصة ، وطلب منه أخذ جوازات السفرمن الخزينة وعمل تأشيرة للأردن فورا .. وفي مساء اليوم التالي كانتالمغادرة لعمان .. وبقي مجذوب حائرا يتابع بالتيلفون ..
مازال المندور يتابع يوميا بالتلفون ولأسبوع كامل والأخبار
غير مبشّرة. والحالة ماتزال حرجة، وخطيبته الطبيبة
الجميلة لم تغادر غرفة الإنعاش. وذات صباح كان مندور
يجلس جوار صاحبه العم عبد العزيز، رنّ جرس الهاتف رنّةً شعرا بأنّها مشئومة. أعطى مندور الهاتف للعم عبدالعزيز ليتلقى الخبر
المشئوم .. لاحول ولاقوّة إلا بالله العليّ العظيم.. الشباب الغضّ والنضار والحيوية قداختارها الله، صعدت الروح الطاهرة إلى بارئها. وخفت بريق السها في ليل حالك ألقي بظلاله على وجه المندور الذي فهم الخبر من عبارات صاحبه فأمسك الهاتف معزّيا نفسه قبل سعادة اللواء وهو يتجرّع مرارة حزينة، وشدّةً أليمة.. أخبره اللواء بأنّهم سوف يعودون بصحبة الجثمان مساءً في تمام السابعة..
يالله يالله, قدضاع أمله ومبتغاه، وتضاءل البريق والنضار، وهمدت الحيوية،وانطفأت شموع الفرح..
إنالله وإناإليه راجعون.. قالهاالعم عبدالعزيزوطلب من المندور أن يترك سيارته ويذهب معه لمنزله بسيارته البوكس، ويبقى معهحتى موعد وصول الجثمان ليذهباللمطار سويّاً ويستقبل االجثمان..
قبل المندور وماكان أمامه غير ذلك وقدكان فيحالة ذهول تام..
وصل المنزل العم بالصحافة، وأدخله غرفة الضيافة، حيث رقد المندور ساهما ينظر في سقف الغرفة لايرتدّ إليه بصره (رغم بياض السقف الخرصاني) يتابع دوران المروحة اللامتناهي..
وجاءه العم بعد قليل يرتدي العراقي البلدي،تتبعه إبنته نُهى تحمل الغداء. وضعت نهى الغداء على السفرة بينما أخيها الأصغر وضع ماء الشرب على منضدة أخرى، وجاء الإثنان وعزّيا المندور في فقده الجلل. وكانت أمّهما قد خرجت لمناسبة عند الجيران..
جلس المندور قبالة العم عبدالعزيز، وبدأ يأكل بصورة عادية بل على غير عادته كان أكثر نهماً، مما جعل الرجل يصاب بالحيرة.. وبعد الغداء مباشرةً عادا ليضطجعا وأمدّتهما نهى بالشاي وكان مندور ينظر إليها بصورة غريبة وملفتة للنظر.. وبعد أن غادرت قال للعم عبد العزيز
نهى إبنتك هل هي مخطوبة.. إن كانت ليست مخطوبة، هل تقبلبي زوجاً؟؟ وهل تقبلني أنت ياعمّي زوجاً لابنتك؟؟؟ أنا بحمد الله جاهز للزواج وأمتلك المال والدار. وقادر على توفير العيش الكريم لها..
// ياولدي هل نسيت أنّجثمان خطيبتك لم يصل بعد؟؟ ياولدي لاتفكّر في شيئ من هذا قبل أن تستعيد توازنك. أنت الآن ياولدي في حالة عدم توازن، ولن يكون قرارك صائباً.. ولن أتحدّث معك في هذا الأمر حاليّاً على الأقل.. أرجو ألّاتفكّر في شيئ من هذا الآن..
: لا لا يا عمّ عبدالعزيز أنا لست مضطرباً بل متوازناً تماماً، وأعني ماأقول تماماً.. فأنا إنسان عملي.. سها ماتت يرحمها الله، والحي أبقى من الميّت..
// كنت أظنّك حزيناً ياولدي.. لكن مادمت هكذا فأنا لن أسلّم ابنتي لرجل قلبه حجر..أنا آسف طلبك مرفوض.. ومادمت هكذا فلاداعي حتي لذهابي معك للمطار ومؤاذرتك.. فأنا لاأعرف والد المرحومة، وكنت ذاهب فقط لأشاطرك أحزانك..
: أراك قدغضبت ياعمي أنا آسف..
// أنا لست غاضباً لكنني حزين عليك أولاً،ثمّ على التي أعطتك قلبها رحمها الله. ونسيتها حتى قبل أن تواريها الثرى.. من الأفضل لي ولك أن تأخذ السيارة وتذهب للمطار لوحدك.. فلست بحاجة للمؤازرة..
: حسناً ياعم، سأذهب لوحدي. ولكن أرجو أن تفكّر في طلبي ليد ابنتك.. فأنا والحمد لله أملك بيتاً ومالاً كثيراً، وقادر على إسعادها..
// والله لوكان لي عشرة بنات غيرها وأعطيتني وزنهنّ جميعاً ذهباً، فلن أعطيك واحدةً منهنّ.. تفضّل وخذ السيارة وغادر الآن.. ولا أريد أن تتطرّق لهذا الأمر مرةً أخرى لوسمحت..
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 06:18 PM
7
غادر المندور تاركاً العم عبد العزيز يلعن اليوم الذي
عرفه فيه.. ودخلت إبنته نُهى لحمل أواني الغداء والشاي ،ولمّا لاحظت على وجهه الإمتعاض حاولت التخفيف عنه فقالت:ـ
+ خيراًفعلت ياوالدي مع هذا الإنسان المتحجّر. قدسمعت مادار بينكما وكنت قد حضرت لحمل الأواني وتنظيف السفرة، لكنني تراجعت وفضّلت أن لاأراه ولايراني مرّة أخرى.. شكراً لك ياوالدي على الرد الحاسم..
// وهل كنت تظنين ياابنتي أنني أرضى بمثله زوجاًلك؟؟ كلّا والله، فأنا لاأبدّل سعادتك بمال الدنيا كلّه..
وهنا دخلت الزهراء والدة نهى وقد سمعت طرفاً من حديثهما.. فقالت:ـ
* ماشاءالله،خطبةورفض في غيابي؟؟ أوليس لي رأي معكما؟؟ أولست أمّ العروسة؟؟ ومن يكون هذا الخطيب المرفوض؟؟؟
// الأمر واضح وليس محتاج لمشورة أورأي آخر..
* من يكوني انهى هذا الذي تقدّم لك من ورائي ورفضه والدك؟ كان المفروض على الأقل إخطاري بأنّ هناك إنسان آت لخطبة إبنتي الوحيدة، لأكون موجودة على الأقل..
+ هوّني عليك با أمي. .أصلاً لم يكن في حساباتنا خطيب آت، وإلّا لكنت أول من يعلم.. إنّه المندور ذاك المحسيّ الذي ياتي مع والدي دائما فقد جاءه خبر وفاة خطيبته اليوم وقد ذهب لاستقبال جسمانها الآن.. وقدكان يريد أن يخطبني قبل مواراتها الثرى..
* أعرف أنّه إنسان عملي، ولكن لاأظنّ أنّه بهذا السوء كما ظننتم. لاشك أنّه مصدوم بالخبر، فلا تظلموه..
..
* ياعزيز لاتفوّت الفرصة على ابنتك فالمندور من خيرة شباب هذا الزمان. وهل تعرف شاباًفي عمره يمتلك بيتاً ومال اًمثله؟؟
+ ياماما أنا أصلا لاأريده ولاأطيقه وحتى لوكان في غير هذه الظروف لرفضته بلا تردد.
أنت صغيرة ولاتفهمين مايجري حولك. لا يعبب الرجل في هذا الزمان غير جيبه.. لاأريدك أن تقعي في نفس الخطأ فيضيع عمرك هباءً منثورا..
//أوووه ياوليّة، من الأفضل لك ولي أن تغربي عن وجهي الآن وفوراً. نهى يابنتي خذي أمّك المجنونة هذه واذهبي بها من أمامي قبل أن أصوّر قتيلاً
الأمر انتهى ولاداعي للخوض في سيرته فلاتضايقيني من فضلك
* سوف أتصل بالمندور وأعرف منه إنكان فعلاً مازالي يريد ابنتي..
// عندها تكونين قد خسرت الغني والفقير. فلن تطولي بلح الشام ولا عنب اليمن...
* لاأفهم قصدك..
+ قصده واضح ياأمي. منفضلك تعالي معيواتركي بابا يرتاح. فقد سبب له هذا المندور ضيقاً شديداً. أرجوك يا أمي أتركي الخوض في هذا الموضوع. أناصاحبة الشأن
*أنت مخيّرة ياابنتي أنا أريد لك الخير ولاأريدك أن تتعبي وتعاني كما عانيت أنا..
+ وما معني الحياة يا أمي بلا جهد وتعب ومعاناة، أنامثل أ بي أستمتع بالتعب والمعاناة..
* مبروك عليكم التعب والمعاناة يابنتي..
أرجوك يا أمي لاتحدثيني في هذا الشأن،ولن أقبل بهذا المندور. وأخذت أمّها من يدها وغادرت بها الصالون..
*كبرت يانهى وتعلمت الرد على أمك..
+ لا والله ياماما ماكبرت عليك لكن بابا في حالة استياء شديد ولايتحمّل النقاش في هذا الموضوع وأخاف أن يحدث له مكروه، هل نسيت أنّه مصاب بارتفاع ضغط الدم والسكر؟؟
*حسناًياابنتي سأترككم في فقركم و نحسكم..
+لسنا فقراء ياأمي، نحمد الله على نعمائه. فقد تربينا أحسن تربية وتعلّمنا في أحسن المدارس، وسندخل إنشاء الله أفضل الكليات الجامعية ونتخرّج ونعمل ونحمل عنكما المسئولية ونسدّ الدين.
وارى المندور حلمه الثرى وبات ليله أرقاً محتاراً، يجترّ شريط ذكرياته الحلوة ،منذ أن وطأت قدماه العاصمة، واقتحامه لكل الصعاب التي واجهته برباطة جأش وعزيمة منقطعة النظير.. ولأول مرة أحسّ أنّه أصبح غريباً وقد فقد حلمه وفقد عمله بانتهاء عمل الشركة في البلاد.. وأكثرماكان يؤلمه ذلك التصرف الأرعن الذي صدر منه تجاه العم عبد العزيز، ذاك الرجل الذي فتح له بيته واعتبره مثل إبنه.. لاشك أنّ المندور كان فاقداً توازنه كما قال العم.. ليته سمع نصيحته ولم يصرّ على طلب يد ابنته في تلك اللحظة.. أحسّ المندور بفداحة الخطأ وقرر الإعتذار والرحيل إلى عبري فوراً ليستريح من عنائه..
وتوجه باكراً لمقر شركته لتسوية حقوقه،وكانت التسوية جاهزة حيث أنّ الشركة قد صفّت أعمالها فعلاً.. وبعد استلام شيك بمبلغ كبير تجاوز التسعين ألفاً توجه لمكتب العمّ عبد العزيز واعتذر له عمّا حدث منه دون وعي. وقبل الرجل الكريم عذره.ولمّا أخبره بأنّه قد سوّى حقوقه معا لشركة الماليزية واستلم مبلغاً من المال كبير. إقترح عليه العم أن يرجع لعبري ويحاول الحصول على التصديق ببناء فندق صغير على الطراز النوبي. ومحاولة الحصول على التصديق بمنحه قطعة أرض من السلطات المحلية ليقيم عليها مشروعه .وطلب منه الحضور صباح الغد ليقدّم له مساعدةً قد تفيده وتعينه على نجاح المشروع..
قضى المندور ليلته وقد زال عنه الكثيرمن الكدرو الهمّ بسبب المعاملة الكريمةالتي وجدها من العم عبد العزيز.. ولمّا عاد صباحاً للعم الكريم، وجده قد جهّز له دراسة جدوى كاملة للمشروع. ولم تقف مساعدته له عند هذا الحد، بل اصطحبه لمصلحة الآثار وكان يعرف مسئولا كبيراً فيها عرضعليه دراسة المشروع وطلب منه مخاطبة السلطات المحلية في دنقلا لمساعدة المندوربمنحه قطعةأرض إسنثمارية ليقيم عليها مشروعه. .إستجاب مسئول الآثار وكتب له خطاباً وافياً للسلطات المحلية أوصى فيه بضرورة منحه
الأرض..
شكر المندور العم عبد العزيز وودعّه باكياً..
وتوجه المندور لدلالة السيارات واستبدل أمجاده الحبيبة بسيارة بوكس شبه جديدة امتطاها من توّه متوجّهاً إلى أرض الحنين عبري، تاركاً خلفه ذكرى ومقبرة..
غادر المندور متوجهاً لدنقلا عصراً قاصداً مكاتب المحافظة بعد أن طلب من أخيه محمودأن يستخرج رسماً كروكياً لقطعة أرض كانا قد حدداها من قبل، وتقع بين سوق عبري الرئيسي وشاطئ النيل بمساحة ثلاثمئة متراً مربعاً، وتقابل الأخوان في فندق بسوق دنقلا حيث باتا، وقاما في صباح اليوم التالي ليرجع محمودلعبري ويبقى مندور ليسعى في إجراءات تصديق الأرض الإستثمارية. وفي خلال يومين فقط إستلم المندور تصديق الأرض ودفع الرسوم وقد ساعده كثيرا في سرعة إستخراج التصديقالتوصيات التي حملها معه من الخرطوم بفضل العم عبدالعزيز.. وبعد استلامه للتصديق، شدّ المندور رحاله فوراً إلى مسقط رأسه عبري بعدطول غياب..
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 08:55 PM
8
وصل المندور إلى منزل الأسرة حيث تقيم والدته وأخته الصغرى،وكانت الكبرى قد تزوجت وارتحلت لمنزل زوجها. ومحمود أيضاً تزوج و بنى بيتاً صغيراً داخل ساحة المنزل .. وبقي البيت النوبي القديم يستقبل السوّاح من حين لحين
وبعد أن سلّم المندور على أمّه الحبيبة زينوبة، وبات بجانبها يحكي لها كلّ ماجرى له في سنين الغربة بالتفصيل الممل . وحتى صورة خطيبته الطبيبة الراحلة سها أطلعها عليها فبكت كثيراً و ترحّمت عليها. وفرحت بعودته لمسقط رأسه ليكون بجانبها وقد عاد لها بعدأنأجّر منزله بالخرطوم بمبلغ ثمانمئة جنيهاً. كما حكى لها عن قطعة الأرض التي ظفربها ليؤسس عليها فندقاً للسواح و مقهىً عامّاً على شاطئ النيل في طرف السوق الرئيسي. ونام مندور نوماً هادئاً لم يعرف مثله منذ سنين. بات ليلته وهو يشعر براحة نفسية كان يفتقدها، كمن كان ضائعاً ووجد نفسه بعد طول غياب، ما أحلى الرجوع للجزور..
وفي الصباح الباكر خرج بصحبة أخيه محمود إلى السوق، ووقفا على مكان قطعة الأرض التي تمّ تصديقها للمشروع، واطمأنّ مندور لجمال موقعها واستراتيحيته. وبعدها توجه المندور لمكاتب المحلية لمتابعة إجراءات تسليم الأرض. ولم يجد المندور صعوبات كبيرة في إجراءات التسليم غيردفع الرسوم لجهات متعددة غير المحلية ورسوم التحسين وا للجنة الشعبية للسوق و لم يجد أي إعتراض،وعاد بالمسّاح ليسلّمه الأرض. وبعدأن تمّ استلام الأرض عاد لامه يبشّرها، ولدهشته عندما وصل بيتهم وجد عمّه أحمد قد وصل مع أسرته عائداً من مصر.. رحب المندور بعمه و زوجته الفلّاحة فردوس وبناته الثلاث فريال و هدى ونور.. ورجع مندور بعدها للسوق و عاد بكبش كبير ذبحه محمود بيده إكراماً للضيوف. وفتح لهم غرفتين منفصلتين من البيت النوبي لينزلوا فيهما ضيوفاً كراماً، وكان منزل عمه قد تهاوى عرشه وسقطبمفعو لدابّة الأرض..
كانت نور خجلةً وتتفادى النظر فيوجه المندور، لكنه كان يتحدّث معها بطريقة عاديّة، ولمّا أتيحت له فرصة الإنفراد بها عند الأصيل وعلى شاطئ النيل خاطبها:ـ
: نور يا أختي نحن إخوة من قبل ومن بعد ولن نتبدّل لأ يّسبب منا لأسباب، فأنت بنت عمّي يعني أختي، وكلّ شيئ قسمة ونصيب.. و أنا أتمنى لك كلّ الخير.. وكان ردّها:ـ
// ماكان الأمربيدي ياابن عمّي فقد كنت صغيرة ولا أملك قراري..لكنني الآن ماعدت تلك الطفلة الصغيرة .وأنا مازلت على عهدي ،لم يتغيّرشعوري ناحيتك. .
: أنا أيضاً يا أختي لم أعد ذلك الطفل، وقد مرّت بي أحداث جسام غيّرت كياني وبدّلت مشاعري..أحببت وخطبت وكنت على وشك إتمام زواجي لولا أنّ القدر خطف خطيبتي من أمام عينيّ، وتجرعت كأسات مريرة ومازلت حزيناً عليها ،وعواطفي و مشاعري متعطّلة. لكنني صابر ومحتسب،علّ الزمن يعينني على النسيان
// أناآسفة ياابن عمّي لم أكن أعرف كلّ هذا الذي جرى لك. فقط كنت أريد الإعتذار لك..
وبكت نور من قلبها وبعدها جلست على الشاطئ حزينة ونزل المندور إلى النهر يناولها الماء بكفيه لتغسل وحهها الجميل والمندور يتأملها ولو طاوع قلبه الكسيرلكانت فرحته بعودتها إليه كبيرة،لكنه الكبرياء ،علّ الأيام القليلة القادمة تدمل جرحه ويعود للحبيب الأوّل..
عاد المندور ترافقه ابنة عمّه نور إلى المنزل حيث قابلتهم أمّها عند الباب مستبشرةً مبتسمة وهي تقول بقوة عين:ـ
لايقين لبعض قوي والله!!!
وانزوت نور لداخل الغرفة تاركةً أمّها تنفرد بالمندور. فبادرها قائلاً:ـ
: ايش غيّرك يا مراة عمّي من ناحيتي.
+ يا ابني بنت عمّك شارياك و مش عاوزة غيرك. فقد تقدم لخطبتها الكثيرين في
مصر وكلّهم أي بنت تتمناهم. لكنها كانت تقول أنّها عاهدتك منذ الصغر ولن تخلف عهدها..
: لكنها كانت قد كتبت لي خطابا تشترط عليّ الإقامة في مصر إذا كنت أرغب في الزواج منها..
+ هي لم تكتب شيئاً ياولدي، ولاتدري شيئاً عن ذلك الخطاب ،أنا التي أمليته على بنت أختي وكتبته على لسانها. أغفر لي يا ربي..
كان دافعي هوحبي الشديد لنور، ولا أتصوّر أنني أستطيعأن أفارقها للحظة واحدة فاعذر قلب الأم ياولدي. وعمّك يا ولدي كبروسينزل للمعاش في السنة القادمة .وكما قال ،سوف نأتي و نعيش معكم هنا على طول..
: غفر الله لك يامراة عمّي،لكنك بفعلتك تلك قد قلبت كياني رأساً على عقب فلنترك الأمر للزمن علّ جروحي تندمل قريباً..
+ المسكينة لاذنب لها ياولدي أرجوك ياولدي لا تعذبني،فأنا أشعر بالذنب الذي ارتكبته في حقّها وحقّك.أغفرلي ياربي..
: يحصلكلّ خيريامراة عمّي فلا تقلقي..فقط قليل من الزمن يكفيني لاتخاذ القرار. فأنا مازلت أكنّ لنور كلّ الحب والإحترام..
+ بارك الله فيك ياولدي..
[/justify]
خالد البدوي بابكر
03-10-2012, 10:34 PM
9
نقّل فؤادك ماشئت من الهوى+ ما الحبّ إلّا للحبيب الأول
نورعلى نور،هي كماهي نور.. فلا داعي للمكابرة أيّها المندور.. هكذا قالها المندور لنفسه. .وها هي أمّها قد رضخت لرغبة ابنتها، بعد أن رفضت كلّ الخطّاب وبقيت على العهد.. ذاك العهد الذي نقضه المندور ظنّاً وظلماً، واعتقاداً منه بأن نور باعته حين كتبت له تلك الرسالة طالبة منه ترك بلده والعيش معها في مصر.. يالله يكاد لايصدّق بأنّ نور لاتعلم شيئاً عن تلك الرسالة. وحتى لوكان تتعلم، فقد أوضحت له أنّها كانت صغيرة، ولاتملك قرارها، وأنّها ماتزال باقية على عهدها معه، لم تتبدّل ولم تتغيّر. ماذا يريد منها أكثر من ذلك؟؟ ولمَ يحاسبها على ذنب قدعلم أنّها بريئة منه تماماً؟؟
صحا المندور مبكّراً، وبعد تناول الشاي بلقمة القاضي التي صنعتها زوجة عمّه فردوس وجاءت تحملها لهم بنفسها قبل الشروق. وعبَر مندور من خلال النفّاج حاملا القهوة بالجبنة الفخّارالكبيرة والفناجين الصيني ليصبّح على عمّه ويشرب معه القهوة. جلس المندور يحكي لعمّه عن السنين التي قضاها في السودان (وهكذا كان المحس وأهل حلفا يقولون حين يسافرون جنوباً للعاصمة الخرطوم) قال لعمّه أنّه قد جمع مال اًكثيراً وعاد ليحقق حلمه القديم ويبني فندقا على النراث النوبي لاستقبال السواح.. لكنه لن يحتاج مهندساً من مصرهذه المرّة وسوف يشرف بنفسه علىا لبناء.. وأنّه يفكّرفي الزواج ومازال يرغب في الزواج من ابنته نور..
وافق عمّه على الفور وأخبره بأنّه سيعود نهائياً للبلد بعد عام واحد. وحينها يجده قد أكمل البناء واستقرّ فيعمل هوعندها يتمّ الزواج الميمون.. وافق مندورعلى رأي عمّه وأقام حفلاً ضغيراً وتمّت الخطوبة في حفل بهيج وسط الأهل ولأحباب..
وجاء من العمدة رسول يطلب المندور،فردّ المندور رسول العمدة قائلاً: ـإن كان جناب العمدة يريدني فبيتنا مفتوح ونحن تحت أمره..وجاء العمدة (وهولم يعدعمدة)ولكن المقامات محفوظة.. ورحب به المندور وعمّه وأجلسوه في الصالون القديم (ذاك الذي وصفه بالخرابة) وبعدأن أكرموا وفادته قال له:ـ
:: شرفتنا والله ياجناب العمدة،و قد طلبت من الرسول أن تأتي إلينا بنفسك لننال هذاالشرف العظيم..
//شكراًلك ياولدي، أكبرت فيك والله عصاميتك وطموحك الكبير، وأردت أن أشجعك وأمدّ لك يد العون، وقد علمت أنّك بصدد بناء فندق على الطراز النوبي للسواح على شاطئ النيل وبالقرب من السوق. وقد سبقتني والله على هذه الفكرة، لكنني على كل حال لست أنانيّاً، بل أنا معجب بطموحك، وأعرض عليك مشاركتي علىأن أقوم بتمويل المشروع كاملاً مهما كانت تكلفته. وتقوم أنت بإدارة المشروع ويكون العائد بيننا مناصفةً..
:: شكراً كثيراً لك ياجناب العمدة علىاهتمامك بي وكرمك الفيّاض، ليتك عرضت عليّ هذا الأمر من قبل، كنت وفّرت عليّ الكثير منالزمن والجهد والتعب. ولكن ياجناب العمدة أناقد جمعت المال اللازم للمشروع بعدجهد جهيد، وعملت الدراسات اللازمة، وأناجاهز تماماً لتنفيذ المشروع وبتمويل ذاتي. وأنت تعلم أن ليس لديّ خبرة في أي عمل إستثماري آخر. وقد درست الجامعة وتخصصت في اللغة الإنجليزية. وهذ اكلّه في سبيل إنجاح هذا المشروع. وقدرسخت هذه الفكرة في رأسي منذ نعومة أظافري،منذ ذلك اليوم الذي أرسلتموني فيه لمحجوب الترزي. أظنّك تذكره جيّداً ياجناب العمدة. وبعد كلّ هذا الجهد الذي بذلته لاأرى فائدة تعودعليّ من إدخال شريك. وأعتقد أنّه من الأولى أن أستثمر مالي بدل اًمنطلب التمويل من أي شخص آخر..
// كلامك منطقي ياولدي. لكني أرى في مشاركتي لك فوائد كثيرة تعود على المشروع فيمكنك أن تبني فندقاً كبيراً من ثلاث طوابق مثلاً وتستغلّه في فترةا لصيف مثلاً حيث لايأتي السواح، كفندق للعرسان. خاصة وأنّ الموقع جميل.. كما يمكنك الإستفادة من علاقاتي الكبيرة في دواوين الحكومة لتسهيل أمورك..
:: ياجناب العمدة الفندق سيكون علىا لطراز النوبي القديم الذي يحبّه السواح ويجذبهم وكما تعلم أنّ العائد من نزول السواح أفضل مائة مرّة من فنادق العرائس. ولاتنسى أنّ التصديق الذي استخرجته من المحافظة كان لغرض محدد وتغيير الغرض من المشروع يعتبر مخالفة قانونية. فضل اًعن أنني في الأساس لاأرغب في تغييرالغرض. كما أنني وبكلّ صراحة لاأرغب فيأ ن يشاركني أحد في مشروع بذلت فيه كلّ جهدي وعمري..
أما عن العلاقات مع المسئولين، فأنا والحمد لله قدأصبحت ليعلاقاتكبيرةفيالعاصمةهناكحيثالحكومةالمركزيّة..وحت ىالتصديقليبقطعةأرضلأقيمعليهامشروعيكانبتوصيةمنمصلحة الآثارووزارةالتخطيطالعمرانيالمركزيّة.بفضلاللهأصبحت ليعلاقاتكبيرةتمكننيمنحلّأيّمشكلةتواجهني. ولكالشكرعلىمبادرتكالطيّبةياجنابالعمدة..
// حسناًياولدي،وفّقكالله،وستجدنيتحتأمركإناحتجتمساعدتي فيأيّشيئ.
: لكالشكركلّهياجنابالعمدة،جعلكاللهسنداًودعماًلنا. أنتكبيرناولننستغنىعنعونكبعدعوناللهتعالى..
خرجالعمدةغيرراضوبقيالمندوروقدأصابهضيقفيصدره،فخرجلش اطئالنيلليتنفّسهواءًنقيّاً.. جلسالمندورأرضاًسانداًظهرهلجزعشجرةالمانجوالظليلة،يش كوضيقهللماءوالخضرة.. وبينماهوجالسيتأمّلصفحةالنيلالصافيةأحسّحركةًوراءه،ف التفتليرىاكتمالالثالثةالناقصةفيوجهأطلّعليهنوراًعلى نور..جاءتإليهنورتحملمقعدينخفيفينوثيريننسجتهماأيدمص ريةبارعةمنالخيزران،وكلأجزائهاحتىالأرجلومواضعالأيدي منالخيزرانالخالص..جاءتالخطيبةوالحبيبةالأوليتخطرفيح ياءجمّ،تحملالمقاعدعلىرأسها.. ونهضالمندورليحملعنهاالمقاعدبالرغممنعلمهأنّهاأخفّمن أنتشكّلعبئاًعليها.لكنرقتهاوجمالهاجعلتهيتخيّلأنّالح ملعليهاثقيل..وضعمقعدهاعلىموضعجلوسهالأولوأجلسهافيسا ترساقالشجرة،بينماجلسهوبحانبهابزاويةتمكّنةمناختلاسا لنظرللماءوالخضرةوالوجهالحسن..
) ماأسعدكأيّهاالمندور)
وفيلحظةصمتمرتبخاطرهنجومالسهاتتراقصأمامعينيه،لكننور البدرالجالسأمامهبهرعينيهالصغيرتينفأدمعتا.. ولاحظتنورمرورالسهابخاطرالمندورفقالتلهبعدصمتها:ـ
+ أحترمحزنكعلىأفولالسهاياابنعمّي...وأدمعتعيناها..
: يالكمنلمّاحة،وكيفعرفت؟؟
+ رأيتهارحمهااللهتقفبينيوبينك،فيرقراقعينيك..
:: وهليضايقكذلك؟؟إنّهاميّتة..
+ لاياابنعميبالعكس،قدقلتلكصادقةأننيأحترمحزنك. بلوأصدقكالقول،أنّحزنيعليهالايقلإنلميزدعنحزنك..بلوأ بعدمنذلكفقدانتابنيشعوربأننيفيهذهاللحظةأتعدىعلىحقمن حقوقها..
: وهلبعدالموتحق؟؟
+ الحزنعلىالميّتوذكرىمحاسنهحقعلينا..
: تراءتالسُهافأخفاهاالبدرالمنير...
+ لاياابنعميهذاماأخشاهولاأريدهأبداًأبداً...
وماذاتريدإبنةعمينور؟؟...
+ أريدابنعميكاملاًبسهاحزنهالبعيدوفرحبدرهالقريب..
:: فرحيجميلونبيل..
+ النُبليبقىوالجماليزول...يافرحيالجميلوحزنيالنبيل..
تمت
vBulletin® v3.8.1, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir