عبدالمنعم محمداحمد
08-18-2010, 10:55 AM
كانت تجرى مندفعة ناحية الترعة الممتلئة بالماء لوحدها قرب مغيب الشمس وقد حرك اندفاعها فضول الحاج ابراهيم الذى عبر لتوه قنطرة الترعة بحماره فصاح بها: ياابنتى !الى اين ؟ فلم تجبه , فترجل وانطلق مسرعا فى اثرها فكانت دهشته عندما شاهد ها وهى تلقى بنفسها فى الترعة العميقة والشديدة الانحدار فالقى بنفسه خلفها وغاص فى العمق لينتشلها فى لمح البصر فهو معروف بشهامته وقدرته الفائقة على السباحة رغم تقدم سنه , وحملها بين زراعيه وخرج بها من الماء , وهو يردد لااله الا الله محمد رسول الله ,ثم ارقدها على بطنها المملوءة بالماء واخذ يضغط على ظهرها وكتفيها بهدوء والماء يخرج من انفها وفمها واذنيها وهى فاقدة للوعى , ثم لحق به ابوهاالفاضل الذى كان يسير فى اثرها وقد خارت قواه حينما رآها ملقاة على الارض والماء يملا كل انحاء جسدها الصغير, فهدا روعه الحاج ابراهيم وطمأنه بأنها بخير,فقط ينبغى احضار ريحة كلونيا لكى تعطس فيعود لها بعضا من وعيها , انها الطفلة مريم بت الفاضل وابنة المرحومة (الشفة) جيئ بها لتعيش مع زوجة ابيها بعد وفاة امها كانت مرهفة بطبعها وقد اختزنت ذاكرتها الصغيرة العديد من الروايات التى تعكس فظاظة زوجة الاب وفظاعتها فى التعامل مع الايتام , وانها لاتعتنى بهم وانها تحول بينهم وبين عواطف الاب وحنانه بل تسعى دائما لان تنقل عنهم ابشع الصور وتتظاهر له وكأنها الحمل الوديع امام غول عدائهم ونكرانهم للجميل الذى تقدمه لهم , بل هنالك روايات اخرى تذهب ابعد من ذلك بكثير حيث تصورهم وكأنهم خدام منازل بدون مقابل مادى وبدون حتى كلمة شكر . هكذا كانت مريم الصغيرة معباة بهذا الكم من الاقاويل ,عندما جاء بها ابوها لبيت الضرة (ضرة المرحومة ) فى اعقاب وفاة والدتها رغم تعنت خالتها ومحاولة تكريس هذا الفهم لدى الطفلة الصغيرة وايهامها بانها ذاهبة الى الجحيم وانها ستلحق بامها عاجلا ان هى اجبرت على الاقامة هناك . ولكن كان اصرار الاب شديدا بان تتربى ابنته ببيته وامام ناظريه دافعه لذلك ثقته بان زوجته امراة يشهد لها بالتقوى وانها لن تساوم فى كفالة يتيمة هى بمثابة ابنتها وابنة زوجها الذى تحبه وتحترم الارض التى يمشى عليها. جاءت الصغيرة وهى ترتعش وكانها تساق الى الموت وهى تنظر , وما أن وطئت قدماها منزل الزوجة وشاهدتها من بعيد وهى مقبلة نحوها حتى صرخت وباعلى صوتها والتصقت بابيها وهى تستنجد به : ياابتى لااريدها لااريدها خذنى لخالتى, ضمها والدها الى صدره وهو يهدؤ روعها ويقول : لاتحزنى ياابنتى! انها امك ,قاطعته بحدة : لا ليست امى !امى ماتت . اريد خالتى, قال لها :ياابنتى انها ايضا خالتك قالت لا لا! اتركنى ياابى لااريدها , افلتت يدها من ابيها وانطلقت نحو الباب , ثم الى خارجه لينتهى بها السير الى الترعة التى ارادت ان تؤثرها على زوجة ابيها.